Site icon Lebanese Forces Official Website

الجنرال الشاطر

الجنرال الشاطر

ساهمت زيارة جنرال الرابية وانطاكيا وسائر المشرق باكتمال قمر التدخل السوري في الشؤون اللبنانية. سطع هذا التدخل بدراً في سمائنا. لم يعد يجدي اي جدل حول المشاهدة. ثبتت الروية. شهود العيان كثر، وجلّهم من حلفاء الشقيقة، طرابين الحبق إياهم، الذين التزموا سياسة المنشار في عهد الوصاية، فكانوا يتوددون صبحاً وعشية الى الرئيس الشهيد رفيق الحريري فيستفيدون منه ويتجسسون عليه لمصلحة أرباب عملهم. وها هم اليوم يغدقون عواطفهم الجياشة على حامي حمى المسيحيين في الشرق. وبالطبع يتجسسون عليه لمصلحة ارباب عملهم. المعادلة بسيطة، فـ"أكل العيش يحب الخفة والفهلوة" و"الشغل مش عيب".

زعيم… ولكن

بمعزل عن القراءات والقراءات المضادة لـ"الزيارة التاريخية"، يبقى ان التحالف بين قوي وضعيف لا يكون تحالفا. ولا يكون عون زعيما فوق العادة لأن هناك من قال له "كن" فكان. لا تُسلَق الزعامات على نار حامية او تُفبرَك بكبسة زر. فهذه الزعامة الهابطة بالمظلة على رؤوسنا لا تقنع حتى حلفاءه المستجدّين والمتكاثرين كالفطر. كلنا نعرف ان النظام السوري الحالي الذي نصّب عون زعيما مسيحيا ليس أكثر من امتداد للنظام السوري السابق الذي رفض رسائله الودية وانبطاحه ليصبح جندياً في جيش الأب وطرده من قصر الاحلام بعد هدمه على رؤوس الذين صدّقوه وصمدوا لأجله. وتالياً لا شيء يمنعهم من ان يتخلوا عنه بعد ذلك. الامثلة كثيرة في تاريخ العلاقات السورية – اللبنانية. آخرها مصير "زعيم" آخر توِّج أميرا لتنظيم "فتح الاسلام". فقد صدر بيان مجهول المصدر جاء فيه ان أمير "فتح الاسلام" شاكر العبسي "اسر او استشهد" على ايدي الاستخبارات السورية، وأعلن تعيين خلف له هو ابو محمد عوض الذي لا يزال يلعب "الغميضة" في مخيم "عين الحلوة على أمل تحويله الى مخيم "نهر البارد" بنسخة جديدة. شاكر العبسي حليف آخر لدمشق اصبح مجهول المصير سواء قُتل او استشهد او انتحر. لا فرق. كذلك الوزير السابق الراحل ايلي حبيقة، تم اغتياله في زمن الوصاية بعدما انتهى دوره الذي بدأ بـ"اتفاق ثلاثي" أعيد بعثه اليوم مع تحالف "حزب الله" وعون والنظام السوري…

محكمة

حليف سوري أشوس اعتبر ان الشقيقة عادت الى لبنان اقوى مما كانت. وقال: "انتهى الامر. النظام السوري يمسك بالورقة الشيعية والورقة المسيحية. ما يعني ان حلفاءه سيحصلون على 72 مقعداً من اصل 128 في الانتخابات النيابية المقبلة. ولا سبب يؤدي الى انزعاج سليمان من الزيارة او التحالفات التي افرزتها. فهو موظف لا أكثر ولا أقل. والمحكمة الدولية ليست ذات شأن. اقصى ما ستتوصل اليه سيكون تحميل مسؤولية الاغتيالات الى متطرفين تكفيريين ممولين من جهة سعودية. الوضع الدولي يتطلب ذلك. وهذا ما سيحصل".

تسخيف دور المحكمة الدولية في تصريحات طرابين الحبق لا يُقرأ الا في سياق التسويق لهدف خطير، وهو ان من يقوله يحاول ان يستبق اي اتهام يوجَّه اليه عندما تحصل اغتيالات في الفترة المقبلة. وذلك لصرف النظر عن الاغتيالات التي ستحصل. هناك معلومات اكيدة ان عدداً من قادة "14 آذار"، الذين عُلم انهم ضمن الاهداف الرئيسية لعملية اغتيالات، اتخذ اقصى درجات الحذر. ذلك ان الاغتيالات هي جزء اساسي من خطة ضرب فريق "14 آذار" لإحداث بلبلة ونقل تركيب اللوائح الى الصف الثاني عوض ان يكون على مستوى الصف الاول. هذا اذا حصلت الانتخابات.

هناك محطتان اساسيتان تبينان ان الاغتيالات هي الوسيلة الناجعة لتحقيق أهداف سورية في لبنان. المحطة الاولى هي المحكمة الدولية والمحطة الثانية هي الانتخابات النيابية.

من هنا يبدو ان ذهاب عون الى سوريا لم يكن أكثر من فرض واجب لتسديد فواتير للنظام الذي يجهّز نفسه للمحكمة الدولية. لذا حتى تحصل الانتخابات يجب ان تؤدي الى فوز حلفاء سوريا في لبنان بالأكثرية النيابية على اعتبار ان التوازن لا يكفيهم لتعطيل المحكمة الدولية نهائيا. من هنا فإن المعركة حقيقية للحصول على الأكثرية. واذا تبين ان الامر غير ممكن، حينها ستتكثف المحاولات لتفجير الامان والسيناريوهات تم تحبيرها.

ربما انطلاقا من المعلومات وليس التكهنات، نقلت صحيفة "الرأي العام" الكويتية أن رئيس قلم المحكمة الدولية الناظرة في اغتيال الحريري، البريطاني روبرت فنسنت، زار بيروت للإعداد للمرحلة الثالثة من قيام المحكمة بعدما باتت المرحلتان الاولى والثانية شبه مكتملتين، أي التمهيد والتأسيس، ليبدأ الإعداد لمرحلة التشغيل التي اعلنت الامم المتحدة انها ستنطلق في الاول من آذار المقبل. واوردت التقارير أنه من الجانب اللبناني، تبقى قضية الضباط الاربعة الموقوفين بتهمة أو شبهة تورطهم في عملية الاغتيال معرفةًً أو اطلاعاً أو تغطية أو أكثر من ذلك، لتشير الى ان موعد نقل "الجنرالات الاربعة" الى مقر المحكمة الخاصة بلبنان في لاهاي بات متوقعاً في أي لحظة، وان العملية لن تستغرق اكثر من ثلاث ساعات، تماماً كما الوقت الذي استغرقته عملية توقيفهم نهاية آب 2005.

أهل الذمّة

بوابة المحكمة المحكوم إغلاقها الى الابد بنتائج الانتخابات النيابية المقبلة تشير الى مساهمة الزيارة العونية في تسهيل امور النظام السوري. فهذا النظام يسعى الى القول للغرب ان سوريا علمانية، وانه يواجه التطرف التكفيري، علما بأنه استعمل هذا التطرف ليصدّره الى العراق في المرحلة السابقة تحت شعار محاربة الاميركيين. وسهّل انتقال المتطرفين الى العراق ولبنان وربما الاردن. وعندما انتهت ورقة استخدامهم وصل اليوم الى مرحلة رفع شعار محاربة الارهاب الاسلامي.

النظام يريد ان يلعب ايضا دورا مركزيا من خلال الظهور وكأنه يحمي المسيحيين السوريين وعبرهم المسيحيين في الشرق. ويسعى تالياً الى سرقة الصيغة التعددية التي طالما اعتبرها العالم مصدر غنى للبنان وخصوصية تستحق التنويه. خطف المرجعية المسيحية الموجودة تاريخيا في لبنان كان هدفا سافرا في الجولات التي قام بها عون في سوريا لتصبح هي مهد المسيحية وليس لبنان، والدليل استقبال النظام السوري لزعيم مسيحي كبير هو ميشال عون. وتالياً تكببير حجم عون على "الساحة" المسيحية لبث الرسائل الى الفاتيكان والدول الاوروبية.

فقد استخدم النظام السوري الزيارة العونية ليحصل على صك الانفتاح في ظل اوضاع دولية واقليمية تنبئ بتموضع جديد لها على الخريطة الاقليمية والدولية، ويمسح من صفحات التاريخ ما اقترفه في لبنان. وهكذا، بعد القمع والقتل والسجن والتخوين نشهد مسرحية الانفتاح للحماية. مع الإشارة الى ان هذه الحماية الخارجية تأمنت من سوريا في حين عجزت عن تأمينها الولايات المتحدة والدول الاوروبية.

بمعنى آخر، اعاد النظام السوري المسيحيين المشرقيين أهل ذمّة. وقال للمجتمع الدولي انه الوحيد القادر على حمايتهم من السنّة التكفيريين الذين سينقضّون عليهم بعد ان ينجزوا ملفات القضاء على المناوئين للسياسة السورية تجاه لبنان.

وبمعنى أبعد، يريد النظام السوري تطمين الغرب الى حمايته المسيحيين من خلال تحالف الاقليات في مواجهة الغالبية السنّية.

"عونك راجع" من… سوريا

عون "الراجع" من سوريا هذه المرة وضع على الطاولة عدة الشغل. اعلن انه ضد المصالحة المسيحية لأن لا مصلحة له فيها. فهو لا يملك لتجييش الشارع المسيحي الا تعميق الخلافات ونبش القبور التي ساهم في حفر نسبة كبيرة منها. وهو أيضا يكرّس لدى هذا الشارع مفهوم العداء للمسلمين السنّة الذين سرقوا من المسيحيين النفوذ السياسي والاقتصادي من خلال علاقات الرئيس الشهيد رفيق الحريري مع الغرب. مع ان الرابح الاكبر من هذه العلاقات كان لبنان والخاسر الاكبر كانت سوريا. كما يسعى الى تكريس وجه التطرف السعودي المرجع لدى السنّة، مع ان علاقات سوريا وايران و"حزب الله" مع هذا التطرف لا يستهان بها. وليس خفيا على أحد ان ارتباط عون بالمحور الايراني – السوري والزج بالمسيحيين فيه، لا يلغي ان هذا المحور لديه علاقات وثيقة مع التطرف الاسلامي ابتداء من العراق مرورا بحركة "حماس" وامتداداتها وصولا الى فتحي يكن و"فتح الاسلام" و"انصار الله" و"جند الشام"، ليحصر الخطر الوحيد المحدق بلبنان في اصولية تكفيرية مدعومة من السعودية وتالياً من تيار "المستقبل". وعبر هذا الاسلوب يصيب عون مسيحيّي "14 آذار" التابعين لممولي هذه الاصولية التكفيرية.

من هنا يتوضح هدف الزيارة التي قام بها عون الى سوريا. فقد زارها غاضبا من الفريق اللبناني الذي حال بينه وبين رئاسة الجمهورية، الا انه زارها ايضا حالماً بأن يحقق امله بالرئاسة من خلال المراهنة على تغيير ما للمعطيات والظروف. ليقول حينها: "انا الموجود وانا الاقوى". والاكيد ان النظام السوري بعث له برسالة يعتذر فيها ضمنا عن عدم توافر الظروف الصالحة لترئيسه. الا ان هذه الظروف يمكن ان تستجد اذا حصل ما يؤدي الى فراغ في مقام الرئاسة، او لدى حصول فريق المعارضة على اكثرية الثلثين.

الا ان الرسالة الواضحة التي ضمّنها النظام السوري لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لإخضاعه، واجهها الرئيس بتحفظه المعهود. واكتفى بيان قصر بعبدا بالتوضيح انه "ناقش" مع عون الوضع الداخلي من جوانبه كافة، ولا سيما استكمال المصالحات وضرورة تهدئة الخطاب السياسي ليس على مستوى افرقاء الداخل فحسب، وانما ايضا في اتجاه الدول الصديقة والشقيقة والمسؤولين فيها وعدم التعرض اليهم بما يسيء إلى المصلحة الوطنية الداخلية والى علاقات لبنان بهذه الدول.

طبعا، لن يلتزم الجنرال الشاطر توصيات الرئيس المتحفظ. عليه ان يسدد الفواتير. ومرحلة ما بعد الزيارة ستكون الاخطر على مصير لبنان. ذلك ان شطارة الجنرال كانت دائما تدميرية. والله يسترنا من عون "الراجع" ليشنّ على طريقته "حرب الرئاسة" بعدما حرم اللبنانين النوم والحياة في "حرب الإلغاء" ومن بعدها في "حرب التحرير".

Exit mobile version