مرض…
ألزمني المرض الفراش بضعة أيام يا إخوان. ومثلي مثل غيري في هذه الحالة، أمضيت جلَّ وقتي في تلقي العلاج من جهة، والمشاركة في أكبر هواية عرفها تاريخ البشر منذ آدم الى اليوم، أي مشاهدة التلفزيون، أو بالاحرى الادمان على التنقل بين قناة وأخرى.
القصة ليست هنا بطبيعة الحال، إنما في اكتشافي قعر جديد من خلال البرامج السياسية، لا يمكن اكتشافه إلا بالتمحيص والتدقيق العصيّين هذه الايام بفعل السرعة وعصرها الذهبي… قعرٌ مسوّر ومسكون ببشر يلبسون ياقات ملوّنة ويضعون نظارات طبية توحي بانكباب على العلم أضنى العيون واستوجب مساعدتها… يتحدثون لغة هي ذاتها التي نحكيها بمفرداتها وقواعدها وحروفها، وما الى ذلك من أدلة تثبت صحة قولي هذا، في الشكل وليس في المضمون.
لكنني استغربت يا إخوان، وكثيراً جداً، ان يفترض هؤلاء البشر، أننا نعيش على كوكب آخر، وان القعر الذي هم فيه ليس سوى منبر الحكمة للطليعة النخبوية الآخذة على نفسها تحرير الاراضي المحتلة من جنوب لبنان الى جنوب سوريا وصولاً الى جنوب الفيليبين من جهة وجنوب فنزويلا من جهة ثانية. وان تاريخهم النضالي الفظيع (فعلاً) يجيز لهم استهبال الناس وإصدار الاحكام في حق مَنْ لا يسمح له وقته مشاركتهم مهامهم النضالية!… طبعاً، الادوية المسكنة تساعد كثيراً في تدجين المشاعر وكبتها والتخفيف من حدة الآلام الموضعية، لكنني بالصدفة اكتشفت انها أيضاً تساعد على التبصر وتلعب دور شعاع الليزر في كشف الواضح والمخفي في طبائع مثل هؤلاء الناس.
وبهذا المعنى، كنت على دراية كافية بالآراء السياسية لبعض الدجّالين في علوم الوطنية والمقاومة والممانعة، لكنني لم أكن أعرف بالقدر الكافي، ذلك المستوى الذي بلغه هؤلاء في دجلهم، ولا ذلك القعر المركونين في حناياه مطمئنين الى شطارتهم في الدجل… لم أكن أعرف مثلاً، ان أحدهم الملقب هذه الايام برجل الظل، هو فعلاً مرسل خائن مثل الخمرة التي ترسلها الى المعدة فتصعد الى الرأس، وان مسيرته تلك اوصلته الى حالة، صار معها يظن ان الهذيان ليس إلا محاضرة في الفلسفة السياسية المعاصرة.
…لم أكن أعرف، ان ثقل الدم يمكن ان يتلبّس بعض الناس الى هذا الحد في الطبائع والسياسة على حد سواء، وان الخيانة فعل مرادف صارخ للغباء الفطري، وان ذلك المرسل الخائن وصل الى نقطة اللاعودة من المكان الذي هو فيه: قعر الضحالة والكذب والتهديدات الرعناء الفالتة على المكشوف، مفترضاً انه قاضٍ وديَّان فيما هو جليس أشباهه المتهمين من الآن حتى قيام الساعة.
…كنت أفترض يا إخوان، ان المرضى هم فقط الذين في المستشفيات ودور العناية الصحية، الى أن تبيّن لي وبالملموس، ان الكثيرين منهم يسيرون بين الناس ويظهرون على شاشات التلفزيون ويقولون كلاماً لا يؤدي إلا الى تأكيد "ان في نفوسهم مرض"، وان أحدهم ثقيل الدم إياه، يظن ان الدفاع عن القتلة بكلام كبير ودجّال، كافٍ للهرب من العدالة الآتية لمحاسبته هو وأمثاله مهما علا الضجيج وكثُر الدجل!