حكاية الخلط المتعمد بين "الدوحة" المرحلية و"الطائف" الدائم!
لم يعد من مجال للشك في أن الأقلية النيابية، أو بعضها على الأقل، تنظر الى "اتفاق الدوحة" كما لو أنه بديل "الأمر الواقع"، ليس عن "اتفاق الطائف" بما هو قرار لبناني ـ عربي ـ دولي بانهاء الحرب الأهلية التي ضربت البلاد طيلة 15 عاما، بل بما هو الدستور الذي يحكم العلاقات بين اللبنانيين وبينهم وبين العالم الخارجي. حديث البعض عن الرغبة في تعديل "اتفاق الطائف" دليل، وصمت البعض الآخر عن هذا الحديث دليل، الا أن ما شهده مجلسا الوزراء والنواب في الأسبوع الماضي يرقى الى حد البينة التي تزيل كل الفروق بين الكلام الصريح والصمت المريب.
في هذا السياق، لم تعد تنفع "الأعذار" التي تجد في الانتخابات النيابية متكأ لها لتبرير ما يقال على أنه لتحشيد الرأي العام، ولا كذلك القول ان الجميع يتعاطى مع المرحلة بصفتها الانتقالية التي يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، لسببين أساسيين: أولهما، أن ما يقال لا ينفع دائما في تجميع الأصوات ان لم يكن يؤدي في بعض الأحيان الى عكس ذلك تماماً، وثانيهما، أن ما تتم ممارسته على الأرض يفتح الباب أمام تصور امكان نسف كل من "اتفاق الطائف" و"اتفاق الدوحة" معاً.. وتالياً اعادة البلاد الى جحيم الحرب الأهلية. كيف ذلك؟!، بإحياء عصبيات غريزية كامنة لدى الطوائف والمذاهب وحقنها بشحنة من الأوهام والمخاوف التي لا تفعل الا أنها تقيم حواجز أمام احتمال بناء وطن ودولة حقيقيين.
البداية تمثلت بما يمكن وصفه بمحاولة "قوننة" أو حتى "دسترة" مشاركة الجميع في الحكم من خلال "الثلث المعطل" الذي اتفق عليه (كاجراء مرحلي) في الدوحة، وان بتعهد عدم التعطيل وعدم الاستقالة أو التغيب، وعرض أحد أقطاب الأقلية الحالية (الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله) مثل هذه الصيغة على الآخرين في ما لو حازت الأقلية ـ كما تتصور ؟! ـ أكثرية المجلس في الانتخابات النيابية المقبلة. والنية حسنة، كما يبدو في الظاهر، بغض النظر عن صدقية ظن هؤلاء الأقطاب بسيطرتهم على مجلس النواب المقبل، لكن ما تخبئه لا يقل عن نظرية المبادلة بالمثل من ناحية، وعن ابقاء الحكم دائرة مقفلة على الأخذ والرد، وتالياً على "المحاصصة" الرخيصة و"التوافقية" المانعة للحكم جزئياً أو كلياً، من ناحية ثانية.
وعندما يعد قطب آخر (النائب العماد ميشال عون) بـ"أننا، اذا ما فزنا بالانتخابات، سنعدل اتفاق الطائف"، فانه لا يكون يعبّر عن هذه النية المبيتة فقط وانما عما هو أبعد منها بكثير. ذلك أن "اتفاق الطائف"، الذي هو الدستور اللبناني كما قد يجهل، أو يتجاهل، القطب المشار اليه، ليس ملكه وحده فضلاً عن أنه يدرج آليات لتعديله ـ طبعا، بعد تطبيقه الذي لم يتم بعد باعتراف الجميع ـ ليس مجلس النواب في كل حال مدخلها الوحيد ولا حتى أداتها التي لا أداة غيرها.
في غضون ذلك، لا يكتم آخرون في الأقلية أحلامهم حول ما يسمونه "المردود السياسي" لغزوة 7 أيار، وهو ما يقولون تارة انه سقوط ميزان القوى الذي كان، وتارة أخرى انه انهيار قوى الرابع عشر من آذار، وتارة ثالثة انه انتهاء مرحلة كاملة وبدء مرحلة جديدة مختلفة تماماً عنها.. فيهددون بين فينة وأخرى بامكان تكرار الغزوة اياها في ما لو واصلت قوى الأكثرية تمسكها بمواقفها السابقة، أو في ما لو لم ترضخ لموجبات "الامر الواقع" الجديد .. ان لجهة مستقبل سلاح "حزب الله"، أو لجهة ابقاء لبنان ساحة مفتوحة لحروب الآخرين ومساوماتهم، أو لجهة وضع حد للدويلات السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية داخل الدولة.
وفي ما شهده اللبنانيون في الشهور القليلة الماضية أكثر من دليل على ذلك، من "المناورات" قبل تشكيل الحكومة واثناءها، الى ما بعدها في ما يتعلق بالبيان الوزاري وبكرسي نائب رئيسها وصلاحياته، الى أخيرا حملة "الاستعداءات" المنظمة لكل ما هو غير سوري أو ايراني في العالم: السعودية، لأنها تتحفظ على ممارسات ايران الاقليمية والعسكرية وعلى دور سوريا في هذا المجال .. ومصر، لأنها لا تفتح حدودها مع غزة ولا تنفذ ما تراه الأقلية اللبنانية منها لجهة الضغط على اسرائيل من أجل فك الحصار … والولايات المتحدة، لأنها لم تغير جلدها بعد وبقيت على ما هي عليه "الشيطان الأكبر" … وحتى روسيا، لأنها قررت أخيرا أن تقدم للبنان عشر طائرات مقاتلة، يقول اعلام "المقاومة" الدائمة أن أحداً من "الممانعين" اللبنانيين لم يعرف ما الهدف منها ولا ماذا يفعل بها !!.
أليس هذا ما قاله نائب الأمين العام لـ"حزب الله " الشيخ نعيم قاسم عندما خاطب المتظاهرين من أجل غزة فأكد لهم أن سلاح الحزب باق حتى تحرير فلسطين ؟!. وأليس هذا ما يتعارض بصورة مباشرة مع "اتفاق الطائف" الذي ينص على التزام لبنان موجبات اتفاق الهدنة الموقع مع اسرائيل في العام 1949 ؟!.
أما المشهد "الضامن" في مجلس الوزراء (باعتبار "الثلث المعطل" مجرد "ثلث ضامن" وفق ما يقولون !) وفي مجلس النواب، ان لجهة تعيين اللجنة الخاصة بالإشراف على الحملة الانتخابية أو لجهة انتخاب أعضاء المجلس الدستوري، فحدث ولا حرج. ذلك أن تلويح عدد من الوزراء باستخدام "ما ليس للفرجة"، بحسب وصف أحدهم، لم يكن للتهديد أو التهويل بل للقول بصوت عال، ومن دون خجل، ان المشاركة في الحكم لا تعني شيئاً لهؤلاء اذا لم تكن تعني تعطيل تشكيل لجنة حكومية .. أياً كان الدور المناط بها، استراتيجياً أو ثانوياً، وأياً كانت المعايير التي اعتمدها الوزير المعني في اختيار أعضائها !.
أكثر من ذلك، فما لم يقله الوزراء والنواب في جلسات الحكومة والبرلمان، قاله غيرهم (نائب رئيس المجلس الشيعي الشيخ عبد الأمير قبلان ورئيس "التيار الوطني الحر" ميشال عون) في العلن … رغبة الأول في استحداث منصب نائب لرئيس الجمهورية يكون من حصة الطائفة الشيعية، ورغبة الثاني في تجريد رئيس الحكومة من "صلاحيات" ـ ليست له أساساً بل لمجلس الوزراء مجتمعاً ـ على أن يعاد بعضها الى رئيس الجمهورية ويعطى بعضها الآخر الى نائب رئيس الحكومة.
بل وأكثر، فما تعمل له الأقلية الحالية هو ابقاء الحكم في حالة شلل كامل أملاً بانقلاب الوضع لصالحها اذا ما جرت الانتخابات النيابية، والا فالحيلولة دون اجراء هذه الانتخابات تحت هذه الذريعة أو تلك … اغتيالات سياسية، أو تفجيرات أمنية، أو ربما "اعتكافات" و"استقالات" حكومية، أو حتى 7 أيار أخرى !.
"مواعيد" اللبنانيين، في كل حال، ليست بعيدة في الزمان. أحدها هو 20 كانون الثاني، مع تسلم الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما مهماته وتبين الوجهة التي سيسلكها بازاء سوريا وايران، والثاني هو منتصف شباط المقبل، مع انتهاء الانتخابات الاسرائيلية ومعرفة الى أين تتجه المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية غير المباشرة، والثالث هو الأول من آذار المقبل، مع بدء المحكمة الخاصة بلبنان أعمالها في لاهاي.
واذا كان من نافل القول ان "موعد" اللبنانيين الأساسي مع الانتخابات النيابية في أيار المقبل، يتوقف في معظمه على ما تنتهي اليه سلسلة المواعيد هذه، فلا حاجة الى القول في الوقت نفسه أن الخلط المتعمد بين "اتفاق الدوحة" المرحلي من جهة و"اتفاق الطائف" الذي هو دستور البلد من جهة ثانية، سيبقى على حاله.