لماذا التشكيك بهذا الانجاز الاستراتيجي؟
تنعقد طاولة الحوار اليوم، وأمامها، ولأول مرة، بند جدي وعملي من بنود الاستراتيجية الدفاعية سطّرته المنحة الروسية بإهداء لبنان عشر طائرات <ميغ 29> كخطوة أولى في خطة طموحة لتوفير السلاح والعتاد الذي تتطلبه عملية إعادة تجهيز الجيش اللبناني وتسليحه بالمعدات الحديثة والمتطورة·
طبعاً منحة طائرات الميغ لن تحلّ عقدة النقاش في الاستراتيجية الدفاعية، ولن تضع الحلول السحرية للخلافات المعقّدة بين اللبنانيين حول هذه المسألة الحسّاسة، ولكن المبادرة الروسية حققت اختراقاً استراتيجياً مهماً في الحصار الأميركي خاصة، والغربي عامة، المفروض على تسليح الجيش اللبناني، وحجب الأسلحة والمعدات الحديثة عنه، تجنباً من الإدارة الأميركية لإغضاب حليفتها المدلّلة إسرائيل!·
ولقد ثبت لجميع اللبنانيين اليوم، وبالوقائع العملية والملموسة، أن حملات المعارضة باتهام الموالاة بالاستقواء بالدعم الأميركي المزعوم لا تنطبق على أرض الواقع، حتى في ذروة احتدام معارك نهر البارد، وحاجة الجيش المتزايدة للأسلحة والذخائر، وسعي الحكومة السابقة لحسم المعركة في أسرع وقت ممكن، ومن دون الاضطرار إلى تدمير المخيم بكامله·
فقد بقي الدعم الأميركي مجرّد كلام بكلام، أما ما روّجت له الأقلية عن جسر جوي عسكري للبنان، فلم يكن أكثر من رحلات محدودة لنقل ذخائر للأسلحة الخفيفة والمتوسطة للجيش اللبناني، تقاضت أثمانها الإدارة العسكرية الأميركية كاملة من أموال المنحة السعودية التي خصّصها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لدعم الجيش اللبناني في التصدي للإرهاب في نهر البارد، والبالغة مائة مليون دولار أميركي، وأرفق الأميركيون يومها فواتير الأسلحة والذخائر مع فواتير كلفة النقل على الطائرات العسكرية الأميركية!!·
* * *
كان من الممكن أن تبقى حاجات التسليح الملحّة للجيش اللبناني مجرد أمنيات، أمام الإصرار الأميركي على عدم تلبية متطلبات الجيش اللبناني لتحديث أسلحته وتقوية تجهيزاته، لولا تلك الزيارة المهمة التي قام بها النائب سعد الحريري إلى موسكو، والتقى خلالها رئيس الحكومة الروسية القوي فلاديمير بوتين، وحصوله منه على وعد جديّ وقاطع بدعم عملية تسليح الجيش اللبناني الذي أثبت جدارة قتالية، وأظهر مناقبية عالية في تصدّيه للحركات الإرهابية، رغم افتقاده المريع لأبسط الأسلحة الضرورية في مثل المواجهات والمعارك الطاحنة التي دارت في مخيم نهر البارد·
وإذا كان إعلان وزير الدفاع الياس المر من موسكو عن المنحة الروسية <الاستراتيجية> قد شكّل مفاجأة كبيرة للأكثرية الساحقة من اللبنانيين، فإن المفاجأة الأكبر كانت بتلك <النقزة> التي ظهرت في مواقف بعض أطراف المعارضة، وكأن طائرات الميغ ستخصص للاستخدام ضد هذا الفريق أو ذاك من اللبنانيين، وليس لتوفير التوازن الاستراتيجي في سلاح الجيش اللبناني، وتعزيز قدراته القتالية ضد كل من تُسوّل له نفسه العبث بأمن واستقرار البلد، على نحو ما حصل في نهر البارد مثلاً·
وبعيداً عن متاهات حملة التشكيك بجدوى الطائرات الروسية، وما رافقها من تضخيم في أرقام أكلاف الصيانة والتدريب والتذخير··· إلخ، لا بدّ من التوقف عند أهمية هذه <النقلة الاستراتيجية> في تسليح الجيش، واستطلاع انعكاساتها الإيجابية على مختلف الأوضاع الأمنية منها والسياسية، وبما فيها الأوضاع الاقتصادية أيضاً، وذلك من خلال إلقاء نظرة سريعة على النقاط التالية:
1 ـــ إن منحة الطائرات الروسية لا تعبّر عن <هَـبّة كَـرَمْ> روسية تجاه الوطن، بقدر ما يُمكن اعتبارها خطوة أولى وأساسية في خطة متكاملة لتسليح الجيش وتوفير وسائل الدفاع الفاعلة، ومعدات القتال القادرة لردّ أي عدوان مباغت على أرض الوطن، أو على هيبة الدولة وشرعيتها·
وتقضي هذه الخطة، حسب المعلومات الواردة من موسكو، بتوفير شبكات الدفاع الجوي، ومنظومة صواريخ ضد الدروع، وقذائف وصواريخ مضادة للطائرات العدوة، وذلك وفق أحدث المواصفات، وبكلفة مالية رمزية لا تتجاوز العشرة بالمئة من الأكلاف الأساسية·
أي أن سرب طائرات الميغ سيكون محاطاً بما يتوجب من أنظمة حماية على الأرض ودعم في الجو!·
2 ـــ إعلان وزير الدفاع اللبناني من موسكو بالذات، أن المنحة الروسية غير مشروطة، لا لجهة استعمالها ولا لجهة استخدامها، ولا يترتب عليها أي <ثمن سياسي> يتوجب تقديمه لروسيا الاتحادية·
وأسقط هذا الإعلان كل مزاعم التشكيك بـ <أهداف> هذه المنحة، التي بدأت تُعيد رسم المعادلة العسكرية والأمنية على الساحة اللبنانية، خاصة في حال استكمال بنود الخطة الواردة سابقاً، بحيث سيصبح الجيش اللبناني أقوى من الأطراف المسلحة الأخرى المتواجدة على الأراضي اللبنانية، وبالتالي سيتحول إلى النواة الأصلب في الاستراتيجية الدفاعية العتيدة·
3 ـــ لقد انتزع الاختراق اللبناني الجريء للحصار الغربي على التسلح، اعترافاً أميركياً بحق الجيش اللبناني في الحصول على دعم المجتمع الدولي، حسب الموقف الذي أعلنه الدبلوماسي الأميركي دافيد هيل من السراي بعد اطلاعه من الرئيس فؤاد السنيورة على تفاصيل المنحة الروسية والتي تُرجّح بعض المعلومات إحاطة واشنطن بها في <الوقت المناسب>·
وإذا كان من المستبعَد أن يُغطي <دعم المجتمع الدولي> كل الطلبات العسكرية اللبنانية، إلا أن المبادرة الروسية وضعت سقفاً عالياً لمن يريد أن يساعد ويدعم الجيش اللبناني، بعيداً عن أحاديث سيارات <الهامر>، وعربات <الهامفي>، ودورات تدريب الضباط التي تكلّف غالياً في الولايات المتحدة·
4 ـــ إن سرب طائرات الميغ لن يُغيّر من المعادلة العسكرية مع سلاح الجو الإسرائيلي، الذي يُعد الأقوى في الشرق الأوسط، ولكنه يشكّل مدخلاً لاستعادة الثقة بقدرة هذا الجيش الوطني، ويعزّز معنويات ضباطه وجنوده البواسل الذين طالما حاربوا باللحم الحي مجموعات مسلحة فاقتهم تسليحاً وتدريباً، فضلاً عن تصديه المستمر للاعتداءات الإسرائيلية·
وإذا اكتملت خطة التسلح بالحصول على المنظومات الصاروخية والدبابات الحديثة، وتعزيز سلاح المدفعية، وتجهيز طائرات الهيلوكوبتر الحالية والجديدة بالذخيرة اللازمة، تصبح لدى الجيش اللبناني قدرة قتالية ونارية قادرة على ردع أي طرف يحاول خوض مغامرة عسكرية أو أمنية لخربطة أوضاع الساحة الداخلية، بالإضافة إلى إثبات وجود أقوى بمواجهة الخروقات الإسرائيلية على الأرض وفي الجو·
* * *
صحيح أن النائب سعد الحريري فتح أبواب الترسانة العسكرية الروسية، وأن الوزير الياس المر حصل على المنحة الموسكوبية الحرزانة، ولكن الأصح أيضاً أن يتم التعامل مع هذه الخطوة من قبل جميع الأطراف السياسية بمستوى هذا الإنجاز الاستراتيجي والوطني، واعتباره مكسباً تاريخياً للوطن كله أولاً، وللبنانيين جميعاً، وليس دعماً لفئة سياسية بمواجهة فئة أخرى·
فلنترفع عن الحسابات الضيّقة··· ولنعطِ الوطن ما يستحق من إنجازات وتضحيات!·