"الميغ" الروسية تحلِّق لأول مرّة فوق طاولة الحوار الثالثة
تنتظر طاولة الحوار في بعبدا أن يجتمع رؤساء الكتل والأحزاب حولها للمرّة الثالثة منذ انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. الاجتماع الماضي سبقه لقاء المصالحة والمصارحة بين رئيس كتلة "المستقبل" النيابية النائب سعد الحريري والأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله مع ما تبعه من إشاعة جو من التهدئة انعكس على المتحاورين قبل أن يتحفهم النائب ميشال عون باسترتيجية دفاعية تقسم اللبنانيين بين وطني وخائن وتعيد البلاد الى زمن ميليشيات يرفض الجميع العودة اليه، فضلاً عن أنها تقض مضاجع مؤسسة عسكرية برمتها.
اما اجتماع اليوم فيأتي بعد أسبوع محموم بالنقاشات والمواجهات "المؤسساتية" طبعاً، استعرت فيه حدة التنافس بين مشروع الأقلية التعطيلي، وسعي "14 آذار" الى إحياء المؤسسات وحصر السجال في المؤسسات الدستورية لتثبيت الركائز الأولية نحو مشروع الدولة الذي تنادي به، فبدءاً من جلسة مجلس الوزراء التي أعادت خلالها قوى "8 آذار" التذكير بسلاح الثلث المعطل متناسية اتفاق الدوحة، الى جلسة المناقشة البرلمانية والتي توجت بممارسة الأكثرية لأكثريتها بعد غياب طويل، الأمر الذي أزعج "البعض" الذي اعتبر أن رسالة 7 أيار أفضت الى رضوخ الأكثرية الى حكم السلاح، فتبين له العكس، حين انتخبت هذه الأكثرية أعضاء المجلس الدستوري ديموقراطياً، لتواجه التعطيل بحق المؤسسات الشرعية.
والحدث الثالث الذي جعل من الأسبوع المنصرم حافلاً بالأحداث، كان الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء في القصر الجمهوري والتي سارت كما لا تشتهي سفن قوى "8 آذار" بحيث استدرك رئيس الجمهورية الوضع مؤجلاً بذلك انتخاب الحصة الحكومية من أعضاء المجلس الدستوري، واستكمل محاولته إنجاح الجلسة بالتوافق على التعيينات، فعيّن السفير ميشال الخوري سفيراً للبنان في سوريا، وتوج النجاح هذا، بتأجيل البحث في موضوع شركة "سوليدير"، والهيئة العليا للإغاثة، حيث تحدثت المعلومات عن استعداد قوى الأقلية للهجوم عند طرح هذا الموضوع استكمالاً للحملة الإعلامية التي تشنها منذ فترة على الهيئة ومعها رئيس الوزراء فؤاد السنيورة.
أما الموضوع الأبرز الذي ينتظر المتحاورين، والذي من المتوقع أن يأخذ حصة الأسد من اجتماعهم اليوم، فهو الهبة العسكرية النوعية التي قدمتها روسيا الى الجيش اللبناني، والتي وبحسب مراقبين تشكل قفزة نوعية للمؤسسة العسكرية، إضافة الى التسليح الأميركي الموعود والذي لا يقل شأناً عما قدمته روسيا، بحيث أن أي بحث للاستراتيجية الدفاعية يجب أن ينطلق من الآن وصاعداً من حصرية السلاح بيد الجيش اللبناني وحده، الذي أثبت قدرته على التصدي والدفاع عن لبنان في أصعب الظروف، فكيف سيكون الوضع إذا ما كان هذا الجيش مدرباً ومجهزاً لمواجهة أي عدوان براً وبحراً وجواً؟.
هذه "الهمة" الدولية لتسليح الجيش اللبناني وزيادة قدراته، شكلت بحسب مطلعين ما يشبه ضربة موجهة الى قوى الثامن من آذار التي اعتادت في السابق على مقولة "إن المجتمع الدولي لا يساعدنا"، مبررة بذلك بقاء السلاح بيد مجموعة من اللبنانيين، وهذا ما يبرر "عدم تقبل" هذا الفريق للمساعدات العسكرية الروسية والأميركية، فضلاً عن أن محاولاته المستمرة للإيحاء بأن تقديمات موسكو ستواجه اعتراضاً أميركياً باءت بالفشل بعد التصريح الأخير لمساعد وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد ولش الذي أشار الى أن الصفقة الروسية مؤشر قوي الى دعم المجتمع الدولي للبنان.
إذاً، ستشكل هذه المساعدات العسكرية كما يقول مطلعون، نقطة ارتكاز عند البحث في استراتيجية دفاعية تحمي لبنان وتزيد مناعته في مواجهة أي اعتداء، انطلاقاً من أهمية حصرية السلاح بيد المؤسسة العسكرية التي تعزز إمكانياتها يوماً بعد يوم في ظل إصرار المجتمع الدولي على تقديم كل مساعدة ممكنة للجيش اللبناني، ومن المنتظر أن يقدم رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع استراتيجية دفاعية تنطلق من ثابت واحد هو تعزيز قدرات الجيش وصولاً الى حصرية امتلاك السلاح بيد الدولة اللبنانية. والسؤال المطروح اليوم: كيف سيكون تعاطي الأقلية وعلى رأسهم "حزب الله" مع هذه المستجدات؟.
في هذا الإطار، يقلل النائب مصطفى علوش من إمكانية أن يكون هناك أي جديد تقدمه طاولة الحوار على الرغم من كل المعطيات الجديدة، عازياً هذا التوجه الى أن "حزب الله" سيستمر في التعاطي مع كل المستجدات بالوتيرة نفسها وتبعاً لارتباطاته الاقليمية الى أن يظهر جديد على هذا الصعيد، معتبراً أن اهمية الحوار تكمن في إشاعة جو من الطمأنة بأن الوضع مستقر، وأن حلاً ما يمكن أن يأتي في المدى القريب.
بحسب علوش، هناك مجموعة من الملفات تعزز طاولة الحوار انطلاقاً من أن من طرح الحوار هو رئيس الجمهورية، وقوى "14 آذار" مصرة على تأييد مواقفه لأنه يمثل الشرعية، إضافة الى إعطائه الفرصة التي يبحث عنها، "كما أننا نريد أن نؤكد أننا لحقنا "حزب الله" الى آخر الطريق وبشكل منفتح لبحث الاستراتيجية الدفاعية وكشف محاولة التذاكي التي يعتمدها الحزب الذي لا يريد الوصول الى أي حل كما يظهر حتى الآن".
أما الاستخفاف الذي أظهره فريق "8 آذار" في ما خص موضوع المساعدات العسكرية المقدمة الى الجيش اللبناني، فيضعه علوش في إطار تغطية وتبرير بقاء السلاح في يد "حزب الله" ويقول "ولو كان الأمر عكس ذلك لرحب الجميع بهذه الخطوة". ويشير الى "أن الخوف لديهم يكمن في التغيير الاستراتيجي الذي يظهره المجتمع الدولي حيال لبنان، واستمرار هذه المساعدات سيزيد من قلقهم وصولاً الى طرح موضوع السلاح بشكل جدي على طاولة البحث". ويضيف "ان هذا الأمر سيؤدي حكماً الى سحب وسائل "التقريع" التي تعتمدها قوى "8 آذار" ولا سيما بعد إعلان أميركا أنها لا تعارض الهبة الروسية"، التي وبحسب علوش "تشكل مخرجاً للولايات المتحدة غير القادرة على إعطاء أسلحة من هذا النوع لأنها ستواجه اعتراضاً في الكونغرس باعتبار أنها قد تصل الى أيدٍ معادية".
ويؤكد "أن "14 آذار" مصرة على أن يكون الجيش هو الجهة اللبنانية الوحيدة المخولة حمل السلاح على كل الأراضي اللبنانية وكل مساعدة هي موضع ترحيب بانتظار أن يأتي اليوم الذي يقتنع فيه "حزب الله" بوجوب تسليم سلاحه الى الدولة اللبنانية".
أما القيادي في "القوات اللبنانية" ادي ابي اللمع، الذي يأمل أن تكون جلسة الحوار مثمرة وأجواؤها مريحة عكس ما شهده مجلس النواب أثناء جلسات الاستماع، فينتظر من "جلسات الحوار أن تطرح المواضيع بهدوء وتناقش بشكل معمق لا أن تبقى في إطار المزايدة السياسية لا أكثر ولا أقل".
بحسب ما يقول ابي اللمع "فإننا اعتدنا مقولة استحالة تسليح الجيش اللبناني، ولكن ما يظهر اليوم عكس ذلك والمجتمع الدولي بأسره لا يمانع في أن يكون للبنان جيش قوي قادر على الدفاع عن سيادة الدولة". ويصف المساعدات العسكرية المتلاحقة للمؤسسة العسكرية بـ"القفزة النوعية تجاه اعتبار لبنان بلداً طبيعياً قابلاً للعيش وله سيادته من دون النظر الى المصالح الإسرائيلية، حيث أن التعاطي معنا أصبح تعاطياً مع دولة وليس كما كان سائداً في السابق حين كنا نعتبر ساحة للصراعات".
وإذا كان من المنتظر أن يطرح جعجع رؤيته للاستراتيجيتة الدفاعية في جلسة الحوار اليوم، فبحسب ابي اللمع "إن الخطوة الروسية في تقديم طائرات الميغ، إضافة الى المساعدات الأميركية المستمرة ستزيد من اقتناعه (أي جعجع) بأهمية حصر السلاح بيد الجيش اللبناني الذي يزداد مناعة يوماً بعد يوم، وإذا طرأ على رؤيته أي عنصر ولا سيما في أن يكون الشعب اللبناني عنصراً معززاً لمقاومة أي اعتداء، فإن هذه النظرة يجب أن تكون تحت رعاية الجيش وقيادته".
ويرى أن "المساعدات العسكرية للجيش تدحض انتقادات البعض لفكرة تسليح الجيش وتعطي انطباعاً حقيقياً بأننا في سلم اهتمامات المجتمع الدولي الذي يتعاطى اليوم مع لبنان على أن لديه جيشاً يأتمر فقط بالقرار السياسي الصادر عن المؤسسات الشرعية، وأن للبنان دستوراً وحكومة ورئاسة تقومان بدورهما على أكمل وجه، والتعامل معنا يكون أسوة بكل البلدان المستقلة".
وفي الخلاصة، فإن جلسة الحوار اليوم ينتظرها تحليق "الميغ 29 " في أجوائها لدى طرح موضوع الاستراتيجية الدفاعية، محور الاهتمام.