مخاطر لبنانية
التظاهرة الضخمة التي نظمها حزب الله يوم الجمعة الماضي في الضاحية الجنوبية احتجاجا على الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، أعلنت انخراط لبنان في المشروع السياسي الحرج الذي تقوده حركة حماس هذه الأيام، ووضعته في قلب عاصفة فلسطينية وإقليمية.. قد تكون أخطر من كل العواصف التي هبت في السنوات القليلة الماضية.
عندما أعلنت حركة حماس الأسبوع الماضي وقف التهدئة في غزة، لم تكن تستهدف فك الحصار عن القطاع، بقدر ما كانت تطلق معركة الضفة الغربية، التي ترتبط بموعد انتهاء ولاية الرئيس الفلسطيني محمود عباس في التاسع من الشهر المقبل، وما يفترض ان يعقبها من تحديد موعد للانتخابات الرئاسية والنيابية الفلسطينية. كان المقصود هو تأكيد الحركة أنها ضد التمديد لعباس، ومع الحوار الوطني وفق الشروط التي حددتها، والتي أطاحت المحاولة الاخيرة للتحاور في القاهرة.
تريد حماس كما يبدو ان تستدرج اسرائيل الى مواجهة في غزة، يكون من نتيجتها اولا تعطيل »المواعيد الدستورية« المفترضة لملء شواغر السلطة الفلسطينية ومؤسساتها، ثم الانقضاض على الضفة الغربية التي لا يمكن ان تظل بمنأى عن اي اضطراب دموي واسع يمكن ان يشهده القطاع، كما لا يمكن ان تحتفظ بولاءاتها لاجهزة السلطة الامنية والسياسية.. ما يمكن ان يسهل التغيير المنشود، بل قد يجعله ضروريا بعد حصول الفراغ او الفوضى في الضفة.
والتوسع المنشود نحو الضفة هو بمثابة الخطوة الاخيرة من ذلك الانقلاب الذي نفذته حماس العام الماضي، ولم تنفع معه كل التسويات والحوارات، التي ساهمت في استدعاء قوى عربية وإقليمية لتعميق الانشقاق الفلسطيني، تماما كما جرى ويجري في لبنان منذ ثلاث سنوات.. بالمحاور نفسها التي تخوض اليوم الصراع على السلطة الفلسطينية، وعلى آخر مواقعها المتاخمة للقدس المحتلة.
وهي مغامرة خطرة من جانب حماس، بل قد تبدو من الخارج انتحارية، لكنها الخيار الوحيد المتاح أمام الحركة، التي لن تخسر الكثير من محاولة اختبار قوتها في الضفة، كما انها الخيار الامثل لحليفتها ايران وسوريا اللتين لن تخاطرا بشيء اذا ما سعتا الى بلوغ بوابات القدس المحتلة، كما سبق لهما ان بلغتا حدود مصر، ووضعتا القاهرة في موقف دفاعي من خلال الترويج لاتهامها بأنها هي التي تفرض الحصار على غزة!
وخطورة هذه المغامرة الثلاثية التي انضم إليها حزب الله من خلال تظاهرة الضاحية، تكمن في الاعتقاد ان الظرف السياسي الاسرائيلي والاميركي، يفسح المجال لمثل هذا التوسع، او حتى الانقلاب في الضفة.. ولا يأخذ في الحسبان ان قطاع غزة نفسه يكاد يتحول الى اقليم متمرد ليس فقط على الشرعية الفلسطينية، بل ايضا على الشرعيات العربية والدولية، التي يمكن ان ترفع الغطاء عن سلطته الخاصة وتهدر دم أهله، من دون ان يكون لذلك اثر يذكر في الاقليم الفلسطيني الآخر، الخاضع لتلك الشرعيات.
المخاطر اللبنانية لمثل هذه المغامرة كبيرة جدا، وهي تبدأ بإعلان لبنان طرفا في ذلك الصراع الداخلي الفلسطيني، وتتعدى ما يمكن ان تتعرض له إيران وسوريا اذا ما فشلت حماس في السيطرة على الضفة.