خديعة المقاومة!
ايلي أبو رجيلي
لا ينفكّ حزب الله يقدّم نفسه على انه حزب المقاومة. فهل هذا صحيح؟ أي بمعنى آخر، هل المقاومة هي الهدف النهائي والأبعد لنضاله؟
اذا كان حزب الله، كما يعلنه قادته ومسؤولوه، حزب ولاية الفقيه…
واذا كان هؤلاء القادة والمسؤولون أمناء وأوفياء لهذه العقيدة التي استولدها آية الله، سماحة الامام الخميني، من مزيج من التراث الاسلامي والفارسي تحت عنوان "الحكومة الاسلاميّة – ولاية الفقيه"… فإنّ الجواب على هذين السؤالين هو التالي: لا، ليست المقاومة هي الهدف النهائي والأبعد لأنشطة حزب الله.
انّ الغاية القصوى، حسب معطيات عقيدة ولاية الفقيه بالذات، هي إقامة الحكومة الاسلاميّة في كلّ مكان.
ذلك أن هذه العقيدة العابرة للأوطان تدعو لتصدير الثورة الخمينية الى ما وراء الحدود الايرانيّة.
وبما ان هذه العقيدة هي ابنة بيئة شيعيّة، لذلك فإن تصديرها غير ممكن الاّ نحو مجتمعات شيعيّة أو ذات ارجحيّة شيعيّة.
ان المتتبع لانطلاقة وتطور هذه الدعوة في لبنان منذ العام 1982 وحتى اليوم، يجد أن هناك سعيًا حثيثًا وجديًا لبلوغ هذا الهدف. أما الأدلّة على ذلك فليست بقليلة، وهي تتجلى على عدّة مستويات ديموغرافيّة، ماليّة، عسكرية و سياسيّة.
فاذا وضعنا جانبًا أمور تقديم المساعدات الاجتماعيّة على تنوّعها، لا يمكننا أن نتجاهل الامداد المالي والعسكري الذي تقدّمه دولة ولاية الفقيه وهو إمداد لا يمكن الاّ أن يوضع في خانة تحقيق الهدف الاسمى لهذه العقيدة الا وهو إقامة الحكومة الاسلاميّة في لبنان على الطريقة الخمينيّة.
وان الأمانة لهذا الهدف والعمل على بلوغه يقتضيان عدم التخلّي عن أيً من مكامن القوّة التي تسمح بذلك. فاذا كانت العوامل الديموغرافيّة والاقتصاديّة غير ذات تأثير حاسم في هذا المجال، فإن عامل السلاح يبقى صاحب الأثر الأكبر.
إنّ تمسّك حزب الله بسلاحه، ليس على ما اعتقد، تمسكًا "بنقاط القوّة" بغية الدفاع عن الوطن… انه من باب أولى تمسّك بأحد العناصر الأساسيّة التي تمكن اصحاب هذه العقيدة، الداخليين كما الخارجيين، من تحقيق الهدف النهائي الآنف الذكر. وكم كنت اتمنى أن يكون "راجح" الذي تكلّم عنه العماد ميشال عون هو تمامًا كراجح بياع الخواتم… ذلك ان اطلاعي المتواضع على مكنونات نظريّة ولاية الفقيه وعلى تجلياتها في المجتمع الايراني حيث هي أبعد ما تكون عن الكذبة الراجحيّة من جهة وعن دعوتها الى تصدير هذه النظريّة – الدعوة الى خارج حدود بلاد فارس من جهة أخرى … أجل إن هذا الاطلاع لا يسمح لي الا بأن أكون أكثر من قلق على ما يخبئه حزب الله خلف راية المقاومة، دون أن ننسى أنّ الحزب ينعت المقاومة بالاسلاميّة، وهي صفة يُنظر إليها من حيث هي فئويّة لا شاملة.
وكم تبدو الأهداف السياسيّة التي يلهث خلفها البعض وضيعة من جهة ومدمّرة من جهة أخرى حيث يساهمون من خلال أقوالهم ومواقفهم بزيادة هذا القلق.
ان شعار المقاومة الذي يرفعه حزب الله بقوة في لبنان يذكرني بالشعارات التي نادت بها الثورة الخمينيّة بهدف الوصول الى السلطة (محاربة الطاغوت، أي الشاه، والشيطان الاكبر، أي الولايات المتحدة الأميركية، والدفاع عن حقوق المستضعفين). انه تطابق ليس في التكتيك فحسب ولكن في الاستراتيجيا أيضًا وأيضًا.
انّ الكذبة أوالخدعة ليست في وجود نظرية ولاية الفقيه بل في الشعارات المطروحة بغية تحقيق أهداف هذه النظريّة.
خلاصة القول انّي كمواطن لبناني يهمّه بالطبع مستقبل ومصير المجتمع الذي ينتمي اليه ويعتزّ به أميل بقوّة الى الاعتقاد ان شعار القاومة المرفوع ما هو الا خدعة تخفي وراءها هدفًا مركزيًا ومحوريًا: اقامة نظام الحكومة الاسلاميّة في لبنان على الطريقة الخمينيّة.
ان هذا الميل بالذات الذي لا يتأتى من فراغ هو مصدر قلق كبير بالنسبة لي. قلق لم أجد حتى الآن لا في ادبيات ولا في تصرفات حزب الله ما يبدده أو يخفف منه على الأقلّ.
ان مجمل المخاوف والشكوك المشروعة التي تساورني حيال شعار القاومة لا يعني على الاطلاق موقفًا سلبيًا من الطائفة الشيعيّة الكريمة التي أحب واحترم من حيث هي طائفة لبنانيّة كيانيّة أصيلة… ومن يدري فقد تشكّل الأزمة العقائديّة التي اوجدتها نظرية ولاية الفقيه خطراً مستقبليًا على سلامة وتقدم وازدهار المجتمع اللبناني بكلّ مكوناته.