مشكلة تتعاظم
اخيراً، يبدو ان الجنرال ميشال عون فهم ما كان يجب ان يدركه من وقت بعيد عندما قال بالامس، مشيراً الى طرح الدكتور سمير جعجع حول استراتيجية الدفاع، إنه ينطلق "من كيفية نزع سلاح حزب الله". فمن دون ان ندعي الوقوف على ما يجول في عقل جعجع يمكننا ان نزعم ان الاستقلاليين اللبنانيين، وتحديداً على المستوى الشعبي، لا يعتبرون ان للبنان قيامة من محنته قبل ان ينتهي سلاح "حزب الله" بطريقة من الطرق. نعم، وبكل صراحة، فإن ملايين اللبنانيين في الوطن والمهجر عندما يفكرون في إستراتيجية الدفاع فإنهم في الحقيقة ينطلقون من طريقة نزع سلاح "حزب الله" تماما كما عبّر معتمد "حزب الله" الجديد في "لبنان وسائر المشرق" الجنرال ميشال عون !
وبصراحة اكبر، نقول إن ملايين اللبنانيين المشار اليهم يرون في سلاح "حزب الله " تهديدا لامنهم وسلامتهم ومستقبل اولادهم. ويتفقون على ان هذا الحزب لم يكتف بضرب الشرعية ووحدة البلاد عرض الحائط، بل ذهب الى ما لم تذهب اليه ميليشيا منذ الحرب، بغزوه مدناً ومناطق آهلة بالسكان وآمنة، بذرائع واهية مثل "السلاح دفاعا عن السلاح". كما انه لم بسبق منذ الحرب ان قامت مليشيا مسلحة بتدريب عناصر مرتزقة من هنا وهناك في مختلف المناطق بهدف شق التجمعات الطائفية والمناطقية اللبنانية الاخرى وتشتيتها وبعثرتها، وبث الفرقة داخلها في سياق ضرب الروح المقاومة لمشروع "حزب الله"، والتي تتميز بتنوعها، وتعدديتها، والاهم بشموليتها الجغرافية والطائفية.
نعم، إن الاستقلاليين، بعيدا من العبارات المنمقة والطروحات المقدمة ضمن الاطر الحوارية المطلوبة من الجميع، يرون ان سلاح "حزب الله" هو سلاح فتنوي تماما كمشروعه الذي لا ينمو إلا على انقاض مشروع الدولة الحرة، السيدة، المستقلة التي يعيش في كنفها المواطنون بمساواة تامة امام القانون. وخطورة المشروع انه يقتل المواطنية اللبنانية بدفعه فئات واسعة الى العيش في خوف من غزوات جديدة يقدم عليها لكسر شوكة المقاومة المدنية والشعبية والسياسية التي تواجهه. هذا هو بالتحديد الشعور في بيروت المحتلة، وفي مناطق الجبل المهددة، وفي البقاع والشمال ايضا. فهلا ادرك الجنرال ميشال عون، والحال هذه، السبب الكامن وراء تفكير الاستقلاليين على المستوى الشعبي في التخلص من سلاح "حزب الله"؟
إن المشكلة كبيرة، وهي تتعاظم متى توقفنا عند أبعاد كلام نائب الامين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم من ان سلاح حزبه باق حتى تحرير فلسطين من النهر الى البحر! وكأني به يرد على هبة الطائرات الروسية والدبابات الاميركية للجيش من ناحية، ومن ناحية اخرى يستبق جلسة الحوار الوطني التي عقدت البارحة وتميزت بطرح "القوات اللبنانية" لمقاومة شعبية تقودها الشرعية، تماما كما هو النموذج السويسري، تُبنى سياسيا على قاعدة حياد لبنان عن صراعات المنطقة ومحاورها؛ في الوقت الذي نسمع فيه الرئيس السوري يعلن صراحة عن قرب الانتقال من مرحلة المفاوضات غير المباشرة الى المفاوضات المباشرة بغية الوصول الى السلام الشامل.
فمن اين يطلع علينا حزب لبناني فئوي استعدى ثلثي الشعب اللبناني بقرار يلزم شعباً بأسره الحرب المفتوحة وتبعاتها الى ما لا نهاية؟
عود على بدء، إن المشكلة اليوم تكمن في سياسات حزب وخياراته وسلاحه، وقد تحول عن وجهته التي كانت اصلا تواجه بالاعتراض والرفض الداخليين، واستدار لينطلق ضد لبنانيين في بيوتهم واحيائهم وقراهم ومدنهم. هذا السلاح، مهما جرى تجميل العبارات وتنميقها حماية للسلم الداخلي ولروح التهدئة التي دعا اليها المتحاورن بالامس، سيبقى قلب المشكلة، وستبقى غالبية عظمى من اللبنانيين ترى فيه سلاحا عدوانيا لا سلاحاً أخوياً !
فلنقل الامور بصراحة ووضوح لانهما المدخل الى البناء على اسس سليمة. والحوار الحقيقي مع الطرف الآخر يقوم بداية على الافصاح بأمانة عما يفكر فيه الشعب الاستقلالي في لبنان والعالم، ولا خجل، بل فخر واعتزاز بروح "ثورة الارز"، "انتفاضة الاستقلال"!