حوار على بيض؟
فعلاً لا شيء يستحق ان يكون خبر مانشيت في "النهار".
هكذا علّق الاستاذ غسان تويني أمس على نتائج الجلسة الثالثة للحوار الوطني الذي يتجه على ما يبدو حتى الآن ليكون حوارا دهريا!
حتى الآن تم توزيع مشروعين لـ"الاستراتيجيا الدفاعية" والتي يفترض ان تشكل جوهر المناقشات في ذلك الحوار الذي قد يظن البعض ان هناك من يريد أن يستأخره الى ما بعد الانتخابات النيابية، من منطلق المراهنة على تغيير في أحجام الاكثرية والاقلية، يساعد في تنحية هذا الموضوع الى الهامش وربما الى النسيان ايضا.
ولكن بقطع النظر عن الانتخابات، ليس سراً أن هناك من ينظر الى "الاستراتيجيا الدفاعية" كمزحة او بالأحرى كنظرية غير قابلة للتطبيق الآن. ربما لأن إناء الدولة، في نظر هؤلاء، لا يتسع للمقاومة. وكلنا يتذكر الجدال الذي أثير حول البيان الوزاري الاخير وكلمة الوزير نسيب لحود الذي اقترح إدراج عبارة "المقاومة في كنف الدولة".
❒ ❒ ❒
إن القراءة في أسطر البيان الذي صدر بعد الجلسة الثالثة أمس أشار لماما وسريعا الى استكمال البحث في استراتيجيا الدفاع الوطني، مستعملا عبارة "ضمن المهل المناسبة"!
ما هي هذه المهل؟ ليس واضحا طبعا. ومتى تنتهي ليس واضحا ايضا. واذا كانت الجلسات تعقد بمعدل جلسة كل شهر ونصف شهر. واذا أراد كل فرسان الطاولة البيضوية وعددهم 14 تقديم مشاريعهم الاستراتيجية، فإن ذلك يعني أننا في حاجة الى 28 شهرا لجمع هذه المشاريع والاقتراحات، أي ما يعادل سنتين ونصف سنة، وهي مدة كافية ربما لتتغير المنطقة رأسا على عقب قياسا بالمؤشرات الكبرى وما يدور في الكواليس الدولية.
بكثير من الصدق والواقعية والمحبة، نقول ان اللبنانيين كانوا أمس في حال من الاستغراب، بعدما قرأوا البيان الصادر عن الاجتماع لمجرد اكتفائه بالدعوة الى التزام التهدئة السياسية والاعلامية داخليا وفي اتجاه الدول الشقيقة والصديقة، رغم أن هناك قوانين عقابية صريحة في ما يتعلق بالاساءة الى علاقات لبنان مع الدول الشقيقة والصديقة، وكذلك بالاساءة الى الملوك والرؤساء، وهي قوانين منسيّة ويا للسخرية!
❒ ❒ ❒
واذا كان من الضروري الدعوة للتنبه الى الاخطار التي قد تنجم عن التطورات الاقليمية، كما قال البيان، فان من الضروري أكثر لا بل من الملح أكثر، ان يكون المجتمعون قد تنبهوا الى المؤشرات العميقة التي توالت في الاسابيع القليلة الماضية، لتؤكد وجود ما يمكن اعتباره أساسا "لاستراتيجيا دولية" هدفها دعم قيام الدولة اللبنانية القوية والقادرة، وذلك على خلفية استدراك متزايد في العواصم الكبرى، لأهمية قيام هذه الدولة ودورها في ترسيخ الامن والاستقرار لبنانيا واقليميا ودوليا، وكذلك على خلفية ما يشبه الاقتناع بأن انهيار الدولة اللبنانية سيفجر شرارة حرب أهلية ومذهبية يمكن ان تحرق المنطقة كلها وتهدد الامن الدولي.
❒ ❒ ❒
ان الكلام الذي سمعه وزير الدفاع الياس المر في موسكو في سياق الاعلان عن هدية طائرات "الميغ 29" العشر وهو كلام أكد استعداد روسيا غير المحدود لدعم الجيش اللبناني بالدبابات الحديثة والصواريخ والمدافع الثقيلة، لا يعني اننا كنا أمام زيارة ناجحة جدا و"مفاجأة كبيرة" فحسب، بل أمام قرار جديد لم يكن موجودا منذ ثلاثة عقود، بدعم قيام الدولة القوية والقادرة التي طالما اشترط السيد حسن نصرالله قيامها لقبول دخول المقاومة في كنفها.
واذا تذكرنا أطقم الدبابات الاميركية التي ستقدم الى الجيش، وملامح الحماسة الاميركية المستجدة، إن بسبب "الغيرة" او بسبب مزاحمة الروس او حتى التفاهم الضمني معهم، التي أبداها ديفيد هايل في لقاءاته في بيروت في الايام الماضية، حيال دعم الجيش ومؤازرة الدولة اللبنانية المقتدرة، فان ذلك يرسّخ معالم الاتجاه نحو دعم دولي متصاعد للدولة اللبنانية.
❒ ❒ ❒
انطلاقا من هذه الوقائع المهمة كان يفترض ان تركز جلسة الحوار الثالثة على هذا كمدخل واسع ومشجع لـ"الاستراتيجيا الدفاعية" للدولة اللبنانية. ولكن المثير لا بل المستغرب، أن البيان الصادر عن الاجتماع لم يشر من قريب او بعيد الى وجود معالم أولية لاستراتيجيا دولية تدعم الجيش والدولة.
لماذا؟
لا ندري. كما أننا لا ندري لماذا تكون دول العالم مهتمة ومستعجلة لتقوية الدولة اللبنانية وقواها العسكرية، في حين يسير الحوار الوطني حول استراتيجيا الدفاع كأنه على بيض أو وسط حقل من الالغام.
فعلاً لم يكن في جلسة الحوار الثالثة ما يستحق ان يكون مانشيت "النهار" في حين قطف الياس المر قبل أيام أحسن مانشيت!