موقف الأسد من المفاوضات المباشرة رسالة تشجيع إلى واشنطن
لغم غزة والخوف من المقايضة يعززان حذر لبنان
يتوقع مراقبون ديبلوماسيون في بيروت زيارة مسؤولين أتراك لدمشق في المدى القريب او زيارة الرئيس السوري بشار الاسد لتركيا في ضوء الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود اولمرت لاسطنبول اخيرا وادرجها هؤلاء، وفقا لمعطياتهم، في اطار استكمال مساعي المفاوضات غير المباشرة مع سوريا واسرائيل على رغم عدم فاعلية اولمرت في السلطة. فما اعلنه الرئيس السوري عن احتمالات تحول المفاوضات غير المباشرة مباشرة يعتبره كثيرون موجها الى الادارة الاميركية الجديدة من اجل تشجيعها على فتح حوار مع دمشق وعدم ترددها او تأخرها في ذلك، وهو امر لافت وإن لم يكن جديدا بالنسبة الى المهتمين بهذا الملف، خصوصا متى ابرزه مسؤولون كبار وليس اعضاء لجان او ما شابه. وهو لافت ايضا بالتزامن مع التحذير الذي اطلقه نائب الامين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم في اتجاه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي خلال زيارته المرتقبة للبنان في السادس من الشهر المقبل اذا كان سيسعى الى اقناعه بمفاوضات غير مباشرة، في وقت نأى الحزب بنفسه عن التعليق سلبا او ايجابا على المفاوضات غير المباشرة التي تجريها سوريا مع اسرائيل منذ ما قبل حرب تموز 2006 وما بعدها، وصولا الى المرحلة الراهنة، وفي وقت يربط الحزب سلاحه بتحرير فلسطين كلها في جرعة تذكيرية، على ما رآها بعضهم، استمرار ربط لبنان عضويا بالصراع الاقليمي وليس معنويا فحسب.
لكن موقف الحزب ادرجه هؤلاء في اطار معرفته، كما سائر المسؤولين، بحملة الاقناع التي تمارسها الدول الغربية على لبنان من اجل عدم التأخر في المفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل في ظل حجتين اساسيتين يقول لبنان بنقيضهما ضنا بوضعه الداخلي الهش. وهاتان الحجتان، او الذريعتان، تستندان الى ممارسة ضغوط من اجل تحريك متلازم لكل المسارات معا او لمسارات موحدة وفق الآتي:
اولاً اذا وافق لبنان على الدخول في المفاوضات غير المباشرة او المباشرة قريبا، باعتبار ان سوريا تبدي الاستعداد بقوة للانتقال الى المفاوضات المباشرة مع ادارة الرئيس الاميركي المنتخب، ويستبعد معاودة المفاوضات غير المباشرة قبل الانتخابات الاسرائيلية الجديدة في شباط المقبل، فان جلوس لبنان الى طاولة واحدة جنبا الى جنب مع سوريا للتفاوض مع اسرائيل سيشكل مانعاً اساسياً يحول دون تمكين الطرفين من اجراء بازار في ما بينهما والاتفاق على حساب لبنان في اي موضوع، وليس في موضوع مزارع شبعا فحسب، باعتبار ان اسرائيل لا تزال تتحدث عبر صحفها عن مسؤولية سوريا المحتملة في ضبط "حزب الله" وتنكر على لبنان قدرته على معالجة شؤونه بنفسه والتوصل الى حلول لسلاح الحزب الذي تتطلع اسرائيل نحو سوريا من اجل ضبطه. وهي بذلك تظهر ميلها البديهي الى عدم ممانعتها تسلم سوريا لبنان مجددا، في وقت يعتبر اصحاب هذه الذريعة ان ذلك يجب ان يشكل حافزا للبنان لمنع المقايضة على حسابه واعتباره ورقة تفاوض في أي مجال، اكان في موضوع "حزب الله" ام في السلاح الفلسطيني خارج المخيمات الذي يعتبر في عهدة سوريا، او سوى ذلك.
اما الذريعة الاخرى فتستند الى محاولة اقناع لبنان بان الدخول في المفاوضات سيقفل باب المزايدات عليه من الجميع وخصوصا ان سوريا تجري هذه المفاوضات وهي السباقة في هذا المجال، وتقيم حلفا مع ايران في الوقت نفسه.
وفي ضوء هاتين الذريعتين ثمة ما يدفع اللبنانيين الى عدم التجاوب مع ما يعرض عليهم بالاستناد اولاً الى ضرورة ترقب ما يجري في غزة واحتمالاته، اذ يخشى المعنيون ان تكون غزة بمثابة قنبلة موقوتة تحمل في طياتها احتمالات تفجير محتمل يمكن ان يقود الى النتيجة التي يضغط الغرب، من اجلها، أي احياء قوي لمسارات التفاوض انما "على الحامي" وليس "على البارد"، او انه تفجير في المنحى المعاكس باعتبار ان المسؤولية عما يحصل في غزة يحملها بعض المراقبين لحركة "حماس" في الدرجة الاولى، علما ان غزة تستخدم من الجهتين الاسرائيلية والفلسطينية في الجهة التي تعبر عنها، "حماس" وداعميها الاقليميين، وهو ربما يرمي الى احباط المسارات وليس الى احيائها لاسباب واعتبارات متعددة.
في اي حال يرد المسؤولون اللبنانيون على الإلحاح المتخوف من التأخر في دخول المفاوضات بأن وضع لبنان دقيق جدا واستمرار الوضع الفلسطيني المتفجر لا يساعد، فضلا عن انهم يملكون الوقت الكافي لحسم موقفهم من هذا الموضوع، لكنهم يقرون بانهم سيضطرون في وقت قريب جداً الى التأمل في الاسئلة التي تطرحها عليهم الدول الغربية في شأن المفاوضات استعدادا لمواجهة كل الاحتمالات، خصوصا ان الاجوبة الكثيرة التي يقدمونها حالياً الى سائليهم لا تبدو مقنعة، ومن الصعب تاليا على هؤلاء مساعدة لبنان في بعض الملفات المرتبطة بهذا التطور ما دام طريقها معروفا.