لأن غزة على أبواب "انفجار" خطير ولأن ثمّة توافقاً دولياً على دعم الجيش.. ومن مصلحة لبنان حماية نفسه
الجولة الثالثة: فرصة أخرى ضائعة للاستراتيجية الدفاعية
صحيحٌ أن ما قرّره مؤتمر الحوار الوطني في جلسته الثالثة في بعبدا أمس مهم، تشديداً على التهدئة السياسية والإعلامية، بيد أن المسلّم هو أن الجلسة الثالثة لم تفضِ، ولم يكن متوقعاً لها أن تُفضي إلى "إختراق" أو تقدم على صعيد "الإستراتيجية الدفاعية، التي تشكل المهمّة الرئيسية ـ إن لم تكن الوحيدة ـ لمؤتمر الحوار.
فرصة ضائعة
ثمّة فرصة أخرى ضائعة إذاً. ولا يغيّر من هذا الإستنتاج أن يكون "المتحاورون" إستمعوا أمس إلى عرض من رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع في هذا الخصوص، أو أن يكونوا قد اتفقوا على "لجنة خبراء" تجمع "رؤاهم" حول "الإستراتيجية" والقواسم المشتركة بينها.
أي "سياسة" حيال غزّة؟
لماذا هي فرصة أخرى ضائعة؟
ليس خافياً أن الجولة الثالثة من الحوار أمس انعقدت "على تقاطع" مع نُذر تطورات دراماتيكية في قطاع غزة الفلسطيني. فبين التصعيد الإسرائيلي حيال القطاع، وقسم رئيسي من هذا التصعيد يتصل بمزايدات انتخابية إسرائيلية من جهة وبين عدم توحد الموقف السياسي ـ الوطني ـ بين غزة والسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير لا بل تفلت الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني من كل "قيد" من جهة أخرى، من الواضح أن قطاع غزة مقبل على "أسابيع خطيرة".
وفي هذا السياق، وعلى إعتبار أن غزة مرشحة لأن تكون مسرحاً لـ"إنفجار إقليمي"، كان يقتضي أن يتوقف مؤتمر الحوار الوطني في جولته الثالثة أمام هذا المعطى ـ الإحتمال الراجح، لا أن يكتفي بـ"إستعراضه" في معرض الحديث عن التطورات الخارجية حول لبنان. وذلك من أجل الدفع بـ"الإستراتيجية الدفاعية" خطوة متقدمة إلى الأمام.
التضامن "السياسي" في الإطار العربي
كان يقتضي بإزاء الوضع المتفجر في غزة أن يتم تحديد "سياسة" لبنانية. وفي هذه "السياسة" اللبنانية، أن بين التضامن "السياسي" مع غزة ضد حصارها والعدوان الإسرائيلي عليها وبين التضامن "الميداني" معها، فارقاً جوهرياً.
التضامن "السياسي" مع غزة يعني الإستعداد لإنضمام لبنان إلى جهد عربي مشترك يجمع بين ثلاثة أهداف: إعادة طرفَي الخلاف الفلسطيني في غزة ورام الله إلى طاولة الحوار الوطني أولاً، إطلاق تحرك عربي تؤطره المبادرة العربية للسلام ثانياً، والتأسيس بذلك لعودة شرعية وطنية فلسطينية موحّدة إلى القطاع تحمل إلى جانب العرب مسؤولية "الإفراج" عنه ثالثاً.
التضامن "السياسي" مع غزة يعني أن لا يتحمّل لبنان "بمفرده" موجبات التضامن مع فلسطين، وألا يندفع تحت "عنوان فلسطيني" إلى الخروج عن الإستراتيجية العربية ومنها، بما هي "إستراتيجية سلام عربي"، وألاّ ينزلق إلى موقف ـ وموقع ـ تصادمي مع دول عربية، وألا يُستدرج إلى أن يصبح طرفاً في الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني.. وألا يتحوّل إلى "جبهة فلسطينية أخرى".
… وتحييد لبنان "ميدانياً"
"السياسة" اللبنانية إذاً، هي التي تقوم على أساسين: التضامن "السياسي" مع القضية الفلسطينية في إطار جهد عربي مشترك منطلق من مبادرة السلام، وتحييد لبنان عن صراع المحاور الإقليمية الذي جعل القضية الفلسطينية ضحية له، وعن "الصراع العسكري". وغنيّ عن القول إن إشهار الإلتزام اللبناني بالقرار 1701 وبتنفيذه، والإلتزام اللبناني بعدم تحميل البلد ما لا قدرة له على تحمّله، يضمنان "التحييد" المنشود لا "الحياد"، لأن لبنان "منحازٌ" إلى "المشروع العربي" ورؤيته الفلسطينية.
هي فرصة ضائعة ألا يتمكّن مؤتمر الحوار الوطني من تحديد "سياسة" حيال "إستحقاق" خطير داهم. وتسجيل حقيقة أنها فرصةٌ ضائعة لا يعني بأي حال من الأحوال أن ثمّة "إستغراباً" بإزاء عدم توصل الحوار إلى تحديد هكذا "سياسة" من شأن إعتمادها أن يؤسس لـ"فلسفة الإستراتيجية الدفاعية"، أي أن يخرج البحث في "الإستراتيجية الدفاعية" من "الإطار النظري إذا جاز التعبير.. باتجاه كيف يكون لبنان غير محايد في الصراع مع إسرائيل وفي الوقت نفسه غير متحمّل لـ"الأكلاف" وحده ومتضامناً في إطار الإستراتيجية العربية مع فلسطين.
عدم "الإرتهان" للمسار الأميركي ـ الإيراني
..والفرصة ضائعة من زاوية ثانية أيضاً. فـ"الأنباء" المتداولة تفيد أن ثمة حواراً أميركياً ـ إيرانياً على الأبواب.
وهذا الحوار الأميركي ـ الإيراني الذي يرجَّح له أن يبدأ مباشرةً بعد دخول الرئيس باراك أوباما إلى البيت الأبيض في العشرين من كانون الثاني المقبل، والذي تقول "الأنباء" المتداولة إنه سيستغرق أسابيع ـ لا شهوراً ـ يهدف إلى "إستكشاف" إمكان التوصل إلى "تسوية" دولية مع إيران، "تسوية" يشترط المجتمع الدولي لحصولها تخلي طهران عن برنامجها النووي في مقابل الإعتراف لها بـ"مصالح" و"ضمانات" إقليمية.
طبعاً، من ضمن المعطيات القائمة "الآن"، تبدو التسوية الأميركية ـ الدولية ـ الإيرانية متعذرة، علماً أن أحداً عاقلاً لا يمكنه أن يقف من هكذا تسوية موقفاً "معارضاً"، بما أنها تجنّب المنطقة مواجهات "قاسية". بيد أن الإشارة إلى الحوار الأميركي ـ الإيراني هنا، ليست لـ"تحتيم" التوصل إلى تسوية، بل للتنبيه إلى حقيقة أن من مصلحة لبنان النأي بنفسه عن "الصعود" و"الهبوط" في العلاقات الأميركية ـ الدولية ـ الإيرانية، عن "التسوية" و"المواجهة"، كي يكون محصّناً في جميع الحالات.. فلا يكون لبنان أو أحد فيه مطروحاً لـ"البيع والشراء" أو تنعكس التوترات عليه في حال رست التطورات على توترات معينة.
الدعم الدولي يظلل "الإستراتيجية الدفاعية"
..والفرصة ضائعة من زاوية ثالثة كذلك.
إنعقدت الجولة الثالثة من الحوار أمس، في لحظة تقاطع دولي غير مسبوق على دعم الدولة اللبنانية، والجيش أهم مؤسساتها. ثمة إجماع دولي شرقاً وغرباً على تقديم عوامل القوة للجيش كي يكون سيداً على أرضه. صحيحٌٌ أن للدعم التسليحي من روسيا ومن أميركا ومن غيرهما جانباً عسكرياً ـ تقنياً، غير أن له بعداً سياسياً، هو ان البحث اللبناني في "الإستراتيجية الدفاعية" مظلل بتوافق دولي حول الجيش اللبناني، حول الإستقرار في لبنان. أي ان التوافق الدولي يتجدد حول لبنان ومن لبنان. وفي وسع لبنان أن يعتمد في "الإستراتيجية الدفاعية" التي يقرّرها المتحاورون على هذا العامل الأساسي.
ظرفٌ متاح لا وقت ممدّداً
من نافل القول إن المقدّمات الآنفة ليست مسلّمات عند الكل. وما تعتبره تلك المقدمات "فرصة ضائعة" هو بالنسبة إلى آخرين "تشاطرٌ على الوقت" أو "كسبٌٌ للوقت".. أو "تمديد الوقت". وما تراه ظرفاً متاحاً لإنضاج "سياسة" تتأسس عليها "إستراتيجية دفاعية"، يراه آخرون ظرفاً مؤاتياً لمراهنات ومتغيرات. لكنها "فرصة ضائعة" من منظار البحث في "إستراتيجية دفاعية للدولة" وليس من منظار من يبحث عن إستراتيجية "خاصة" به أو عن "إستراتيجية حرب" لا "إستراتجية دفاع". وتحديد "سياسة" الإنطلاق كفيلٌ بمعالجة "مسألة السلاح". ذلك أن تحديد "سياسة الإنطلاق" و"مرجعياتها" الميثاقية والدستورية من جهة والعربية والدولية من جهة ثانية، يجعل التوصل إلى "آليات" معالجة "مسألة السلاح" مجرد نتيجة.