#adsense

استراتيجية.. سورية

حجم الخط

استراتيجية.. سورية

يفترض كثيرون يا إخوان وأنا منهم، أن الكلام عن الاستراتيجية الدفاعية الموعودة هو في نهاية المطاف كلام عن مستقبل وطن آن له أن يرتاح من مهام أكبر منه، وطموحات لا تناسب أهله بعد كل الذي قدّموه وعانوا منه منذ عقود طويلة.

ويفترض كثيرون وأنا منهم، تبعاً لذلك، أن الاستراتيجية الدفاعية تعني أيضاً أن الراحة المرجوة هي نسبية حكماً بفعل مجاورة إسرائيل وشرورها من جهة، وسوريا وأطماعها من جهة ثانية، وأن الوصول الى ذلك المعطى يعني أيضاً وحكماً تمكين الدولة من مشروعها وقيامها بوظائفها تامة غير منقوصة، وأولى تلك الوظائف الدفاع عن الأرض والعرض وفقاً لآليات يحددها دستور البلاد، ووسائل وأدوات معروفة ولا قيامة لوطن أو كيان من دونها.
لكنني، وبعد أن اطلعت وتمعّنت في المشروع المقدم الى طاولة الحوار، المبني استناداً الى التجربة السويسرية، رأيت من واجبي الوطني والشخصي والعائلي، أن أدلو بسطلي في هذا النقاش العميم علّ الفائدة تخرج نحو مقصدها، ويصل أقطاب الحوار الى حل ما يهدم الحائط القائم منذ ثلاثين عاماً وأكثر، بيننا وبين الاستقرار، وبيننا وبين حلم الدولة، المكسور والمشلّع والمستقوى عليه في كل حين.

تبعاً لذلك، وجدت أن أفضل مشروع لاستراتيجية دفاعية ناجحة وفعالة، هو ذلك المستند الى التجربة السورية، وليس السويسرية… وهي تجربة، لا نظير لها صحيح، لكنها أثبتت على مر الأيام والسنين والعقود، أنها نجحت في إدامة الاستقرار والهدوء، وجنّبت سوريا الكثير من الأخطار والبلايا التي عشناها نحن في لبنان.

أما ما هي تلك التجربة، فإن أولها وأساسها، احترام قوة العدو في لحظة الجد واستباحتها نظرياً في لحظات المزح والهذر… أي نتفق مع إسرائيل، في اسطنبول أو غيرها، عبر تلميذ في مدرسة كيسنجر ما غيرو، أو عبر موفدين سراً الى بعض العواصم الغربية (الأفضل لندن في هذه الحالة) على أن نتقاتل وإياها بالواسطة وخارج حدودنا، وأن نستعمل في ذلك، كل المباح من الكلام النضالي التعبوي ومن دون كوابح. أي أننا نبقي على كل مواقفنا الراسخة في مقارعة الاحتلال والإصرار على إنهائه في الإعلام فقط، وأي خلل موضعي في هذه الاستراتيجية يُعالج في أرضه وفي وقته…
مثلاً، غارة هنا أو هناك، أو اغتيال في هذه البقعة الأمنية المحصّنة قرب دمشق أو غيرها يُفترض أن لا يوصل الى صدام… حتى الكلام الكبير في هذه الحالات يصبح ممنوعاً، أي ممنوع اتهام إسرائيل بأنها قتلت عماد مغنية وممنوع اتهامها بالوقوف وراء التفجيرات الأمنية والاغتيالات الأخرى. دون ذلك، لا مشكلة حتى لو كان تدمير لبنان على مدى 33 يوماً ووصول بعض الطراطيش الى الحدود السورية. المهم النية، وهذه صافية مثل العسل اليمني وأحلى.

ثاني المبادئ الأساسية لهذه الاستراتيجية يقوم على تسليح جيشنا بأحدث الأسلحة وأقواها، وإقامة عدد من الأجهزة الأمنية بحيث تصبح المهام الأساسية لكل تلك الآلة (العسكرية والأمنية) مكرّسة للداخل بما فيه حماية الهدوء المديد عند الحدود. وهذه، بالممارسة أثبتت جدواها الى مدى لا يُصدّق. يعني تصوّروا، مثلاً، أن الدولتين اللتين وقعتا معاهدات سلام مع إسرائيل، شهدتا سلسلة حوادث أمنية عند حدودهما قام بها متسللون أو أفراد من العسكر.. إلا الحدود مع سوريا. ولا حادث من أي نوع كان على مدى 35 عاماً!

هل نظلم أحداً، إذا قلنا بعد ذلك، إننا نريد فعلاً أن نصبح جزءاً من استراتيجية الممانعة على الطريقة السورية؟ لا أظن. بل يُفترض بالأخوة والرفاق في قوى الثامن من آذار أن ينبسطوا جداً، كثيراً، تماماً، بتاتاً، وأن ينشرحوا لأننا نلبّي واحدة من أطمح طموحاتهم ألا وهي التشبّه بالنظام السوري.
المعضلة الوحيدة يا إخوان، التي تفركش هذا المشروع، هي صدوره عن وطني لبناني يفترض أن مصلحة بلدة وأهله هي فوق كل شيء وقبل كل شيء، فيما المطلوب عند الآخرين أن تكون وطنياً بالواسطة أو بالنيابة عن الآخرين ومشاريعهم… معضلة كبيرة، أعترف ذليلاً أن لا حل لها. وأعترف أكثر أن جلسات الحوار الوطني في القصر الجمهوري لن تصل الى أي مكان فيه أمن واستقرار وأمان وهدوء. إذ أن الجولان لا يزال محتلاً، والمشروع النووي الإيراني ورديفه المشروع السياسي الامبراطوري لم يُستكملا بعد، وكنزة شبعا لا تزال معلّقة على شمّاعة الممانعة السورية في الاعتراف بلبنانيتها… الى أن يُحل كل ذلك نحكي حينها بالاستراتيجية وجنسيتها جدياً إذا أمكن!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل