"الراي": مقر السفارة السورية في الحمراء قرب "قصر قريطم"
بعد الاعلان عن قيام تبادل ديبلوماسي بين لبنان وسورية في آب الماضي ولأول مرة في تاريخ العلاقة بين البلدين، بدأت "التحريات" سريعاً عن المكان الذي يمكن ان يحتله مبنى السفارة السورية في العاصمة اللبنانية، ونشطت التكهنات التي عكست، تارة فضولاً لمعرفة مكان الاقامة "الجيو سياسي" لتلك السفارة، وتارة اخرى ابعاداً امنية نتيجة الحساسيات المفرطة في العلاقة بين الدولتين "الشقيقتين" في هذه المرحلة.
وبخلاف التوقعات التي قالت ان السفارة السورية ستكون في منطقة قريبة من الضاحية الجنوبية لبيروت على اعتبار انها منطقة نفوذ "حزب الله" الحليف الاول لسورية في لبنان، فوجئ الجميع بأن دمشق اختارت "قلب بيروت" مكاناً لبعثتها الديبلوماسية، وتحديداً منطقة الحمراء، الأشهر من ان تُعرّف.
الخبر كان يمكن ان يكون عادياً لو لم تكن سوريا هي الدولة المعنية بفتح السفارة في الحمراء، نظراً للعلاقة المأزومة بين البلدين والتي استمرت متصدرة ازمات الاعوام الثلاثة العاصفة، رغم ما يشكله فتح السفارة من اشارة ضمنية الى بداية مرحلة جديدة ربما تصبح اكثر استقراراً، وخصوصاً بعدما بوشرت عملية تطبيع رسمية بين البلدين يتولاها رئيس الجمهورية ميشال سليمان.
غير ان المفارقة الأكثر اثارة هي ان السفارة السورية ستكون على بعد "شارعين" من قصر قريطم، دارة زعيم الغالبية البرلمانية النائب سعد الحريري، المناهضة لسوريا، وفي منطقة الحمراء التي كانت تشكل واحدة من المناطق الموالية لـ"تيار المستقبل" بزعامة الحريري قبل ان يسيطر الحزب السوري القومي الاجتماعي (من المعارضة) على اجزاء منها بعد احداث السابع من أيار الماضي.
«الراي» قصدت شارع المقدسي (موازي لشارع الحمراء الرئيسي) الذي برز اسمه بعد أن أقامت المعارضة اعتصامها في وسط بيروت، حيث شهد حركة نشطة وتم افتتاح العديد من المقاهي والمطاعم فيه، في محاولة لأخذ الدور السياحي الذي خسرته منطقة «سوليدير» في ذلك الوقت. وقد نجح هذا الشارع في لعب هذا الدور، بسبب وقوعه في منطقة أشبه بالأسواق التجارية وفي الوقت ذاته قريبة من جميع المصارف والمرافق الإقتصادية والتجارية في بيروت.
في بداية شارع المقدسي، الضيق نسبياً والذي لا يتسع إلا لمرور سيارة واحدة، ينتصب مبنى جديد، واجهته مصنوعة من الرخام بالكامل، ويحتوي على بعض المحلات لبيع الثياب. وأكد الحراس على باب المبنى أكدوا لـ«الراي» أن السفارة السورية ستكون هنا ولكنهم رفضوا أن يقولوا لنا في اي طابق بالتحديد.
ويعكس موقع السفارة صعوبة في إتخاذ إجراءات أمنية لحمايتها، كإقامة حواجز، أو عزل محيطها بمربع أمني صغير كما يحدث عادة، وذلك بسبب ضيق الشارع من جهة، ونتيجة وجود العديد من المحلات التجارية والمطاعم بالقرب من المبنى من جهة أخرى. كما أننا لم نلحظ أي وجود أمني في محيط السفارة التي من المفترض أن تفتتح أبوابها قبل نهاية الشهر الحالي.
وحين حاولنا التحدث مع اصحاب المحال القريبة من محيط السفارة «الموعودة»، قوبلنا إما بالإمتناع عن الكلام أو بالإكتفاء بهز الرأس نفياً. وهذه الإشارات لم تكن ناجمة عن رفض مطلق للتحدث للصحافة، اذ بدا لنا أن هناك نوعاً من الخوف والشك والارتياب بسبب هذه السفارة، فالكثيرون هنا يستحضرون تجربة الأعوام الثلاثين من الوجود العسكري السوري في لبنان وما رافقها من تجاوزات امنية.
أحد أصحاب محلات الصيرفة العديدة المنتشرة في الشارع اكتفى بالقول: «بوريفاج جديد رح يصير هو، الله يستر»، والبوريفاج هو فندق في الرملة البيضاء، كانت تتخذ المخابرات السورية من أحد المباني المواجهة له مقراً لها قبل انسحابها من لبنان. فارتبط اسمه بالمخابرات السورية إلى يومنا هذا.
بدورهم رفض أصحاب المحلات الواقعة في نفس المبنى الذي ستستقر فيه السفارة السورية التحدث عن الأمر، وعلق أحدهم: «ليس لنا رأي».
في مقابل السفارة المنشودة يقع مقهى «براغ» الذي يؤمه طلبة الجامعة الأميركية وغيرها من الجامعات القريبة. وقد اعتبر مدير المقهى خالد مهنا ان لا مشكلة في أن تكون السفارة السورية في الجهة المقابلة لمقهاه، مشيراً الى «ان هذا لن يؤثر على الحركة في الشارع أو على العمل». وقال: «ربما في الفترة الأولى لإنتقالهم ستتاثر أعمالنا قليلاً، ولكن فيما بعد ستصبح الأمور طبيعية».
واذ اكد خالد أنه لا يوجد أي انزعاج من أصحاب المحال في الشارع بسبب افتتاح السفارة قربهم، قال صاحب محل للثياب يقع بجانب مقهى «براغ»: «شو بدي قول، الله ينجينا.»
وبالانتقال الى محل آخر يملكه السيد عمر لبابيدي، اعرب الاخير عن فرحته بإقامة السفارة السورية بقربه، وطلب منا أن نأخذه لندله على موقعها بالتحديد، وقال: «عظيم نتشرف بالسفارة السورية قربنا، فنحن كنا ولا نزال بلداً واحداً». وأكد «أن الأعمال لن تتأثر بل على العكس ستزدهر أكثر»، مضيفاً: «هنا يوجد العديد من العمال السوريين والتجار السوريين، الذين سيتوافدون إلى المنطقة من أجل زيارة السفارة، كما أن هناك سياحاً سوريين يأتون كل نهار خميس وجمعة الى بيروت، ووجود السفارة هنا سيجعلهم يقصدون محلاتنا».
وفيما اكد لبابيدي «ان لا احد منزعج من وجود السفارة هنا»، قابلنا جاره، والذي يملك محل للألبسة أيضاً، فرفض استقبالنا مكتفياً بالقول: «الله يوفقكم، وتلاقوا شي حدا تاني يقبل التحدث معكم».
السيد أحمد بدر الدين صاحب مقهى «فلاينغ كافيه»، كان مع الرأي القائل «أن ما من مشكلة في وجود السفارة السورية في هذا الشارع، وأن هذا الأمر لن يؤثر على الأعمال، بل على العكس فإن موظفي السفارة قد يصبحون من زبائننا، وهذا ليس بالعيب فالسوق والعمل لا علاقة له بالسياسة وما من مشكلة إذا أصبحوا زبائني».
ولكن أحمد تخوف من حصول بعض الإشكالات الأمنية بسبب تواجد السفارة قرب «قصر قريطم»، لافتاً الى «ان هذه المشاكل لم تنته منذ 7 أيار الماضي».
بدوره قال صاحب إحدى محلات بيع الأثاث قرب مبنى السفارة: «من الجيد أن تكون قريبة، هذا أفضل من التوجه إلى عنجر (البقاع حيث كان مقر المخابرات السورية) كما كان يحصل من قبل».
… رغم الترحيب اللبناني بحصول التبادل الدبلوماسي بين لبنان وسورية، إلا إن «جيران» هذه السفارة انقسموا فيما بينهم، بين مرحّب بها، وبين «مرتاب» رفض التصريح بانتظار الافتتاح الرسمي للسفارة التي كانت «حلماً» بالنسبة الى الكثيرين ولا يريدون ان تتحول «كابوساً».