بث التلفزيون الرسمي لاعترافات بعض عناصر التنظيم كشفت لعبة النظام (ا من 2)
الاستخبارات السورية فبركت فيلم "فتح الإسلام" لتُوحي أن "تيار المستقبل" اغتال رفيق الحريري
عرض التلفزيون السوري الرسمي في السادس من تشرين الثاني الماضي اعترافات اثني عشر شخصا قال انهم اعضاء في تنظيم "فتح الاسلام"، وان هذه الحركة وراء التفجير الإرهابي الذي وقع في منطقة القزاز بالعاصمة السورية دمشق صباح السبت 27 ايلول، والذي راح ضحيته، وفقا للمعلومات التي بثتها السلطات السورية، 17 قتيلا و65 جريحاً. وألحق ضرراً بـ85 عائلة تقطن المنطقة، وظهرت بين المعترفين امرأة قالت إنها ابنة شاكر العبسي زعيم التنظيم، واشارت الى ان التنظيم كان يحصل على التمويل من سعوديين ومن "تيار المستقبل"، وقد نفى التيار المذكور في بيان اصدره هذه المزاعم.
وكشف هؤلاء في اعترافاتهم عن صلاتهم المباشرة بتنظيم "القاعدة" وعناصر "تيار المستقبل" اللبناني وعن الأماكن التي سيستهدفونها في سوريا وفي مقدمها المراكز الأمنية وبعض المراكز الديبلوماسية واستهداف ديبلوماسيين أحدهما ايطالي والآخر بريطاني، إضافة إلى استهداف سيارات المبيت التي تقل عناصر الأمن السوري، وكذلك استهداف بعض الأماكن لتمويل التنظيم ومنها مركزا حوالات في جرمانا ومفترق حجيرة في دمشق ومقر حوالات شركة "القدموس" في البرامكة وسط دمشق، إضافة إلى استهداف أحد المصارف العامة الرئيسية بالعاصمة.
وكشفت وفاء العبسي خلال اعترافاتها نقلاً عن شاكر العبسي ان رسائل متبادلة كانت تتبادل بالاضافة الى تواصل عبر قنوات معينة مع "تيار المستقبل" مثل التيارات السلفية وسألته فيما بعد إذا كانت هذه العلاقات مستمرة فقال العبسي إن "العلاقة مستمرة، لكننا لسنا واثقين منهم لأنهم من الممكن أن يتنازلوا عنا مقابل أي صفقة لهدف سياسي".
ونفى "تيار المستقبل" أية علاقة له بمجموعات متطرفة، وقال النائب اللبناني احمد فتفت لوكالة "فرانس برس" "هذه ادعاءات لا أساس لها من الصحة ومسرحية تؤكد ان الاستخبارات السورية مرتبطة بـ"فتح الاسلام".
واعتبرت قوى "14 آذار" "الاكثرية النيابية" في بيان "ان الاتهامات الاخيرة التي وجهها النظام السوري ضد اللبنانيين تشكل محاولة جديدة ومكشوفة للتهرب من مسؤوليته في جرائم الاغتيال التي وقعت في لبنان، استباقا لتقرير لجنة التحقيق الدولية "في اغتيال رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري" وقيام المحكمة الدولية".ونشرت بدورها صحيفة المستقبل، في عددها الصادر بتاريخ 15 تشرين ال الماضي، اعترافات لعناصر ولمسؤولين من تنظيم "فتح الاسلام" موثقة في محاضر رسمية لدى سلطات التحقيق اللبناني تفيد أن تنظيم "فتح الاسلام" مرتبط مباشرة بجهاز المخابرات السوري.
واضافت الصحيفة استنادا الى اعترافات عناصر من هذا التنظيم ان "فتح الاسلام" هو اسم حركي لأداة صنعتها الاستخبارات السورية من اجل زعزعة استقرار لبنان وتدميره.
وأشارت صحيفة "المستقبل" ايضا الى ان سوريا وضعت خطة لضرب لبنان بعد انسحاب جيشها من اراضيه عام 2005، وقد حصلت "المستقبل" على الوثائق التي تُثبت صلة "فتح الإسلام" بالنظام السوري، وأن ما ورد فيها من حقائق يُدحض، وفقا للصحيفة ذاتها، بشكل قاطع كذب ادعاءات النظام السوري والمتعاونين معه في لبنان والخارج.
ويُبين التبحر في هذه الوثائق، وهي إفادات قدمها الموقوفون لدى السلطات اللبنانية القضائية على فترات متلاحقة، أن "فتح الإسلام" هو اسم حركي لأداة صنعتها المخابرات السورية من أجل زعزعة استقرار لبنان وتدميره وإظهاره، وقد استعاد استقلاله من قبضة وصاية دامت ثلاثين عاما، بأنه أعجز من أن يدير شؤونه بنفسه وتاليا فهو بحاجة للقبضة السورية، لحمايته من نفسه وحماية العالم منه.
وبالفعل، فإن الوثائق تؤكد أنه بُعَيد انسحاب الجيش السوري من لبنان، وضعت المخابرات السورية خطة لزعزعة الإستقرار في لبنان بواسطة مجموعة إرهابية ترسلها الى لبنان وتتحكم بها، ولكنها تتلطى بزي تنظيم "القاعدة" وبـ"كوفية الثورة الفلسطينية".
نواة هذه المجموعة الإرهابية التي صنعتها المخابرات السورية، وفقا لما جاء في محاضر التحقيق المنشورة، كانت من أربعة مكونات: سوريون وفلسطينيون مسجونون، وقد تم إطلاق سراحهم، بعفو أصدره الرئيس السوري بشارالأسد (ومنهم شاكر العبسي)، كوادر في تنظيم "فتح الإنتفاضة"، ضباط في المخابرات السورية، وتحويل وجهة سير "مجاهدين" إسلاميين قدموا من دول عربية (السعودية، الأردن، اليمن، بلاد المغرب العربي) الى دمشق، بحيث يتم إقناعهم بالعبور الى لبنان بدلاً من العراق.
وفي الوثائق أقوال مجموعة كبيرة ممن عاشوا أسرار هذا التنظيم، من تكوينه حتى انهياره مع حسم الجيش اللبناني لمعارك مخيم نهر البارد.
وهي تُظهر أن أبوخالد العملة ساهم في تأمين نقل "فتح الانتفاضة" الى شاكر العبسي بعد حصوله على عفو رئاسي سوري وبازاء هذه الاعترافات الخطيرة، أكانت تلك التي بثت على شاشات التلفزة السورية أو تلك التي نشرت في صحيفة المستقبل، يكون من المفيد التمحص في خلفياتها السياسية والقاء الضوء عليها(أولا)، قبل البحث في قيمتها القانونية (ثانيا).
أولا: في الخلفيات السياسية للاعترافات المزعومة.
أ – تضليل الرأي العام اللبناني والعربي وتوجيه رسائل الى المجتمع الدولي
ان مبادئ العدالة الجنائية وأصول وقواعد المحاكمات الجزائية تفرض عدم الك
شف عن مجريات التحقيقات الجنائية وتفاصيلها أو محتوياتها ووثائقها مهما كانت الجرائم موضوع التحقيقات خطرة أو جسيمة، وذلك لضمان سرية التحقيق وسلامته وللتوصل الى كشف الحقيقة وعدم فتح المجال أمام تبدد أدلة الاثبات الجنائي التي حصل عليها المحققون، وكذلك حماية لقرينة البراءة التي يتمتع بها كل شخص مشتبه به أو تحوم حوله الشبهات أو أي شخص مدعى عليه، اذ إن افشاء المعلومات التي تتعلق بمضمون ملاحقته أو بالاشتباه به يحمل اعتداء على شرفه وكرامته وخصوصا اذا ما ظهرت براءته في وقت لاحق. وتعتبر هذه "القاعدة" (قاعدة سرية التحقيقات) تحكم كل الاجراءات والأصول الجزائية في كل قوانين البلدان المتحضرة والتي تقيم اعتبارا لمبادئ حقوق الانسان وللمعايير الدولية للمحاكمات. والدليل على ذلك التحقيقات الجنائية في العديد من الجرائم الخطرة، ومنها الارهابية الدولية، كالهجوم الارهابي الذي حصل في الحادي عشر من ايلول 2001 في الولايات المتحدة الأميركية، والهجوم الارهابي الذي حصل ضد محطات القطارات في اسبانيا، والهجوم الارهابي الذي وقع اخيراً في بومباي في الهند، وكذلك الجرائم الارهابية التي حصلت في محطات المترو في باريس في العام 1986 وفي لندن في العام 2004، والتي لم تبادر بعدها السلطات التحقيقية القضائية في كل من هذه البلدان الى بث اي اعترافات متلفزة أو غيرها، رغم تمكنها من الحصول على الآلاف من الأدلة القاطعة ومنها الاعترافات التي تدين جهات واشخاصا محددة. كل ذلك حفاظا على سرية التحقيقات.
ان مجرد بث اعترافات ُيزعم أنه تم الحصول عليها من خلال القيام بتحقيق جنائي قيد الاجراء، يؤلف بحد ذاته قرينة على أن السلطات الأمنية أو سلطات التحقيق التحقيقية التي فشت هذه الاعترافات تهدف الى فبركة أدلة غير أكيدة، والى توجيه رسائل سياسية وغيرها، عبر هذا الاجراء غير القانوني، الى جهات محددة، ما يتناقض كليا مع قواعد واصول التحقيقات والمحاكمات الجزائية.
ومن هنا فان التمعن بموضوعية في الاعترافات التي بثها التلفزيون السوري الرسمي يقود الى طرح تساؤلات عدة لابد أن تتبادر الى ذهن كل قارئ أو مشاهد يتمتع بقدرة التمييز والتفكير، وأولها يكمن في أن النظام السوري لم يكن يوما، خلال الحقبة الطويلة التي حكم ومازال يحكم فيها الجمهورية العربية السورية بيد من حديد، حريصا على شفافية التحقيقات الجنائية التي تجريها السلطات القضائية الخاضعة مباشرة لتوجيهات السلطات الأمنية السورية وأجهزتها خلافا للقوانين المرعية الاجراء (شكلا وليس أساسا)، أو على احقاق الحق وتوطيد أسس العدالة الجزائية في البلاد. والدليل الساطع على ذلك هو ان وقعت في سورية الكثير من الجرائم الخطيرة والغامضة التي(اذا ما كانت فعلا من صنع وتخطيط ايد اجنبية) تحمل اعتداء على الأمن العام السوري وعلى أمن الدولة الداخلي، ومنها نخص بالذكر جريمة اغتيال القيادي في "حزب الله" الحاج عماد مغنية وجريمة اغتيال العميد في الجيش السوري محمد سليمان، وكلاهما وقعتا قبل تفجير حي القزاز الذي بثت الاعترافات في شأنه، من دون أن تكشف المراجع السورية المعنية أي تفاصيل عن هذه الجرائم حفاظا على سرية التحقيقات. والسؤال البدهي الذي يطرح نفسه هنا هو الآتي: لماذا تمكنت السلطات السورية من كشف حقيقة التفجير الأخير الذي وقع في حي القزاز في دمشق، كما تزعم، وبثت في ما خص هذا التفجير ما سمتها اعترافات عن تورط منظمة "فتح الاسلام" في العملية الارهابية المذكورة و"تيار المستقبل" في لبنان، ولم تكشف تفاصيل ارتكاب الجرائم الأخرى رغم أنها جرائم خطيرة أطاحت حياة مسؤولين عسكريين على ارتباط مباشر بالنظام السوري؟
يضاف الى ذلك أن تاريخ هذا النظام المنافي لحقوق الانسان الهزلية على اساس مناقض لكل قواعد الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة، لا يدع القارئ يطمئن لاعترافات مزعومة يبثها على شاشات تلفزيونه الرسمي بأساليب الضغوط المعنوية والمادية والتهديد وأعمال التعذيب والمناورات المخابراتية.
لهذا، وبعد التدقيق في هذه الاعترافات المسرحية والهذلية، يبدو للمشاهد أنها تقوم على خلفيات سياسية محضة، وتهدف الى تضليل الرأي العام العربي وخصوصا اللبناني، والى ايصال رسالة سياسية واضحة الى المجتمع الدولي مفادها أن النظام السوري يؤلف هدفا حيويا للارهاب في المنطقة وان السلطات السورية هي من يعاني آفة الارهاب ويكافح في سبيل محاربة الارهابيين ومن يقف وراءهم. وما يؤكد ذلك هو وجود ابنة شاكر العبسي في فيلم الاعترافات، مع العلم انها غير ملاحقة من السلطات السورية بأي تهمة جنائية، ما يدل على أن ما سمي اعترافات بثت على شاشة التلفزيون الرسمي السوري ليس الا فيلما سينمائيا كفيلم شريط (أحمد) ابو عدس الذي صنع في عملية اغتيال الرئيس الحريري.
أما بالنسبة للوثائق والمحاضر التي نشرت في صحيفة المستقبل، فهي تهدف الى دحض الأقاويل والاتهامات التي تضمنتها الاعترافات التي بثها التلفزيون السوري والتي تمس شرف وصدقية وسمعة "تيار المستقبل" اللبناني، والتي لا تقوم على اي سند أو دليل موضوعي أو شفاف. ولهذا فان نشر محاضر افادات واعترافات عناصر "فتح الاسلام" الموقوفين لدى السلطات اللبنانية يُدرَج في خانة الدفاع المشروع ضد الافتراءات الموجهة سياسيا الى "تيار المستقبل" والتي تم بثها خلافا لكل قواعد وأصول المحاكمات الجزائية والقوانين ومعايير المحاكمات العادلة في كل البلدان التي تقيم اعتبارا لحقوق الانسان، ووفقا لشروط تناقض تماما هذه القواعد والأصول بحيث يصعب جدا الركون الى صدقيتها أو صحتها. بتوقيت بث الاعترافات المزعومة ودلالاته السياسية يضاف الى ذلك أن الاعترافات المفبركة والمذكورة اعلاه تطرح مسألة مهمة تتعلق بالتوقيت الذي اختاره النظام السوري كي يبث هذه الاعترافات على شاشات التلفزة السورية. ان هذا التوقيت، الذي اختارته سلطات النظام السوري، يدل على أنها أرادت تحقيق غايات سياسية مهمة عبر نشر ما سمته اعترافات، وهذه الغايات تتلخص بالنقاط التالية:
1 – بث الاعترافات قبل أسابيع من صدور تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية في قضية اغتيال الرئيس الحريري القاضي الكندي بلمار، وذلك لاعطاء الايحاء بأن عملية اغتيال الرئيس الحريري والعمليات الارهابية الأخرى التي أرتكبت في لبنان والتي أدت الى مقتل الكثير من الشهداء اللبنانيين من صحافيين ورجال سياسة، هي من صنع منظمة "فتح الاسلام". وهذا يعني ان السلطات السورية قد تكون حصلت على بعض المعلومات التي تفيد أن لجنة التحقيق الدولية تمكنت من اثبات وجود رابط ما بين "فتح الاسلام" والنظام السوري من حيث استعمال عناصر ومسؤولي هذه المنظمة ذاتها من قبل هذا النظام كأداة لارتكاب جرائم ارهابية في لبنان وفي غير لبنان. ولهذا فان عملية بث الاعترافات المفبركة قد يكون الهدف منها الالتفاف على تحقيق لجنة التحقيق الدولية في عملية استباقية لصدور تقرير هذه اللجنة، ومحاولة لتبرئة النظام السوري من الجرائم الارهابية المرتكبة عبر نفيه لأي علاقة بـ"فتح الاسلام" واظهار نفسه كضحية للارهاب ولاسيما ارهاب "فتح الاسلام".
2 – بث الاعترافات قبل اشهر قليلة من بدء الانتخابات النيابية في لبنان وفي وقت تشتد فيه الحملات السياسية الانتخابية، ما يهدف الى اضعاف حركة "الرابع عشر من آذار" سياسيا، وخصوصا "تيار المستقبل"، من حيث اظهار هذا التيار بمظهر المتواطئ مع "فتح الاسلام" والمغذي للارهاب الاسلامي الذي يضرب لبنان وسوريا على السواء. وهنا يبدو أن ذكاء النظام السوري مفرط للغاية، ذلك أنه وفقا لهذه النظرية السورية ولوسائل اعلامها، في لبنان وسورية ومنها طبعا "أورانج تي.في" وتلفزيون "الجديد" وتلفزيون "المنار"، يكون "تيار المستقبل" هو من دبر عملية اغتيال زعيمه الرئيس رفيق الحريري بواسطة "فتح الاسلام"، وهو من خطط لكل عمليات الاغتيال الارهابية التي طاولت شخصيات سياسية واعلامية حليفة له وأمر بتنفيذها على يد "فتح الاسلام". وهذا يعني أيضا، وفقا لهذه النظرية البالغة الذكاء والعبقرية، أن "تيار المستقبل" تآمر على نفسه كي يقضي على نفسه.
3 – تأتي واقعة بث الاعترافات في مرحلة كثرت فيها المساعي الهادفة الى عقد مصالحات بين مختلف الأطراف السياسية اللبنانية لاسيما بين "حزب الله" و"تيار المستقبل" من جهة، وبين "الحزب الاشتراكي" و"حزب الله" من جهة أخرى، وبعد حصول لقاء صريح ومفيد بين الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله والنائب سعد الدين الحريري زعيم "تيار المستقبل" ورئيس أكبر تكتل نيابي لبناني معارض لسياسة الأطماع السورية في لبنان، وفي وقت يحكى فيه عن توتر العلاقة خفيا بين "حزب الله" والنظام السوري خصوصا على خلفية اغتيال عماد مغنية في قلب العاصمة السورية دمشق وعلى مقربة من أحد مراكز المخابرات السورية. ما قد يعني أن بث الاعترافات المشار اليها أعلاه يهدف الى احراج "حزب الله" ومنعه من التقرب من "تيار المستقبل" وقطع الطريق امام اي مشروع مصالحة أو تقارب بين الأطراف اللبنانية كافة، وخصوصا بين المعارضة الممثلة بتجمع "8 آذار" وفريق ثورة الأرز الممثل بتجمع "الرابع عشر من آذار". وعلى هذا الأساس، يلاحظ ما ان نشرت الاعترافات المزعومة حتى انطلقت الأبواق السورية في لبنان ودُماها المتحركة وعلى رأسها من رقي من النظام السوري الى درجة جنرال" وبطريرك" شتام وعميل بامتياز، بعد أن تفوق على منافسيه وئام وهاب وناصر قنديل، في هذا المجال، في عملية غير مسبوقة ومنظمة كمنت في شن هجوم غير مسبوق على جماعة "الرابع عشر من آذار" وخصوصا على وليد جنبلاط وفي اتهام "تيار المستقبل" بدعم الارهاب من دون الارتكاز على اي دليل ومن دون انتظار نتائج التحقيق اللبناني، ما يدل دلالة واضحة على أن الاعترافات المفبركة سورية تهدف، في ما تهدف اليه، الى تشويه صورة معارضي سياساتها في لبنان والقضاء عليهم ليس فقط جسديا وانما ايضا سياسيا قبل حلول موعد الانتخابات النيابية.
4 – قد يكون الهدف ايضا من وراء هذه الاعترافات تمهيد الأرضية الصالحة لارتكاب عملية ارهابية جد خطيرة أو لتغطيتها. وما يدفع الى هذا الاعتقاد التحليلي وغير القائم على معلومات، هو ما أدلى به النائب السابق سليمان فرنجية لناحية تخوفه من الغاء الانتخابات النيابية بسبب جريمة ارهابية كبرى قد ترتكب قبيل هذه الانتخابات. وهذا ما عاد وكرره على هذا الصعيد أحد المقربين منه، وفق ما نقلت عنه صحيفة "السفير" اللبنانية بتاريخ 28 تشرين الثاني 2008، بالقول ان "رئيس "تيار المردة" لا يخفي خشيته من أن تشكل الساحة المسيحية مسرح جريمة الاغتيال المقبلة، التي قد تستهدف أحد القياديين "الكبار" في القوات اللبنانية".
ان هذا النوع من التصريحات يعزز الشكوك بلا مكان التحضير لعملية ارهابية ما قد يكون من يتهيأ لارتكابها على ارتباط أو على علاقة بالنظام السوري، أو في ابعد الاحتمالات قد تكون لدى النظام السوري بعض المعلومات المتعلقة بهذه العملية التي لا يريد التدخل من اجل احباطها، اذ إن الكل يعلم أن النائب السابق سليمان فرنجية يستقي معلوماته من أجهزة المخابرات السورية. وهو لم يكن ليدلي بهذه المعلومات الا بناء على طلب سوري واضح يهدف، بينما يهدف الى تحضير الرأي العام اللبناني، والى تخويف جماعة "الرابع عشر من آذار" بوسائل التهويل، والى اعطاء الايحاء بأن احدى الجماعات المرتبطة بـ"تيار المستقبل" تحضر لارتكاب عملية اغتيال بهدف تأجيل الانتخابات اللبنانية، والى أخيرا التنصل مسبقا من أي مسؤولية جنائية ناتجة عن الجرائم الارهابية التي قد ترتكب مستقبلا.
أما في ما خص ما نشرته صحيفة "المستقبل" من وثائق ومحاضر تدحض موضوعيا ما بثه التلفزيون السوري من اقاويل وافتراءات واتهامات ضد "تيار المستقبل" لا تقوم على اي مرتكز قانوني أو أدلة موضوعية وقانونية، فقد تم القيام بهذا الاجراء في اعقاب عملية بث الاعترافات المزعومة على شاشة التلفزيون السوري. وهو، لهذا السبب، لا يمكن وضعه في اطار التوقيت المبرمج من قبل "تيار المستقبل"، اذ انه يأتي ردا على اجراء غير قانوني وغير طبيعي اتخذته السلطات السورية لتشوه سمعة التيار المذكور.
(دريد بشراوي) استاذ محاضر في القانون الجنائي في جامعة روبيرشومان ـ فرنسا