#adsense

نهاية جنرال

حجم الخط

نهاية جنرال!

يطلق سكان بلاد الشام عادة على آخر الولادات في العائلة ذكراً أم أنثى تعبير ـ آخر العنقود ـ كناية عن توقف تواصل النسل لأسباب عديدة أهمها انعدام حظوظ الإنجاب لبلوغ الرجل الأب عمراً لا يؤهله لتوفير الأسباب الفيزيولوجية أو انتقال المرأة الأم الى وضع مشابه، وقد ينطبق هذا المثل على زعيم التيار الوطني الحر الذي يحبذ تسميته جنرالاً رغم هزيمته في الحرب الذي زار دمشق ليقدم ولاء الطاعة والاعتذار لنظام الاستبداد في ظروف توحي بأنه سيكون آخر العناقيد السورية في الكرمة اللبنانية ارتباطاً بواقع حال طبيعة العلاقة السورية ـ اللبنانية الرسمية منذ بداية عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد وانتهاء بالوريث وما تتسم بالهيمنة والاستغلال، والمبنية على قواعد غير متكافئة في ميزان القوى بالضد من مصالح اللبنانيين وسيادة واستقلال بلدهم وقد اتخذت تلك العلاقة منذ البداية من جانب نظام دمشق منحىً بعيداً عن أصول وواجبات حسن الجوار والتزامات الأخوة والصداقة وأخلاقيات التعامل الإنساني.

زيارة رئيس التيار الوطني الحر العماد ميشال عون الى دمشق تعد استكمالاً للعبة المستمرة منذ عقود في الاستدعاءات والزيارات التي لم تنقطع ولا يمكن عزلها عن استراتيجية النظام السوري ومسار سياسته اللبنانية ولكن من سوء الحظ ـ الجنرال ـ الضائع فإن الفرق شاسع بين مضمون زيارته الأولى وقد تكون الأخيرة ومثيلاتها السابقات لأسباب تاريخية وموضوعية من أهمها:

أولاً: كانت الزيارات السابقة تتم في ظل الوجود العسكري السوري في لبنان وبما كان يضفي من مسحة من البهرجة والسطوة وعلائم القوة على النظام ويوحي بترشيحه لتبوؤ مكانة الآمر الناهي وتعيين الرؤساء والوزراء والنواب، وهو اليوم فاقد لكل أو معظم هذه الامتيازات ـ المستوردة ـ مع عزلة عربية ودولية ملحوظة، فهل جاء العماد ليقدم مسرحيته تحت ظل تلك الظروف أمام الناطقة الرئاسية بثينة شعبان مطالباً بالعون أم مانحاً له؟.
ثانياً: علاقات النظام السوري اللبنانية ليست في أفضل حالاتها فعلى الصعيد الرسمي ما زالت في مرحلة ـ الإنعاش ـ وانتظار أن يفي رأس النظام السوري بوعوده أمام الرئيس الفرنسي بخصوص التبادل الديبلوماسي ورسم الحدود ومزارع شبعا وعدم التدخل بشؤون لبنان، والإغلبية الحكومية والبرلمانية بقيادة قوى الرابع من آذار ليست في وارد العفو عن جرائمه القديمة والحديثة بحق اللبنانيين، ومتمسكة بضرورة الإسراع في عقد المحكمة الدولية بشأن اغتيال الرئيس الحريري وغيره من العمليات. وعلاقات دمشق القديمة مع حزب الله تتعرض الى الاهتزازات منذ اغتيال عماد مغنية في العاصمة السورية وتراجع عوامل الثقة بين دمشق وطهران، أما الصلات الأخرى مع مجموعات عصبوية مسلحة مثل القومي السوري وغيره فلا تجلب لحكام دمشق سوى الإحراج في أوساط الشعب اللبناني بمختلف أطيافه تماماً مثل تبعات ـ فتح الإسلام ـ تلك المنظمة الإرهابية التي خرجت من رحم المخابرات السورية وأجهزة القصر الرئاسي.

ثالثاً: الاستقبال الشكلي الحافل للعماد عون، بناء على طلبه الساذج كما يبدو، ينم عن مدى درجة الضعف الانحداري التي وصل اليها النظام السوري، وحتى لو احتسبنا الأمور حسب منطق النظام في الربح والخسارة فإن الضيف لا يمثل المسيحيين اللبنانيين كما ـ شبه لهم ـ بل إن رئيس الجمهورية هو من يمثل شرعياً بحسب الميثاق اللبناني واتفاقية الطائف وموقف الجامعة العربية، ولم يكن للعماد شرف الوصول الى ذلك الموقع. وعلى صعيد الطائفة المارونية الكريمة التي تمثلها بكركي روحياً فليس العماد إلا جزءاً من المعادلة وواحداً من زعاماتها السياسية الى جانب الرئيس أمين الجميل والدكتور سمير جعجع وغيرهما حيث نال أقل الأصوات على الصعيد الماروني في الانتخابات الفرعية بعد اغتيال الوزير المأسوف على شبابه بيار أمين الجميل، وإذا كان العماد يعتبر الاستقبال الرسمي دعماً له في الانتخابات النيابية القادمة فإنه على خطأ كبير حسب كل المؤشرات.

رابعاً: وإذا كان كل كائن ينضح بما فيه فإن نظام الاستبداد في دمشق مستمر في نهجه الانقسامي تجاه الساحة اللبنانية ولا يتعامل معها إلا من منطلقات طائفية ومن أجل تعميق الطائفية ليس إلا والتشبث بمبدأ المحاصصة حتى في اختيار الزائرين وطرق الاستقبال والخطاب الإعلامي، أما الزعم بمناصرة المسيحيين فليس إلا ادعاء زائفاً والمقياس هو مدى تقبل النظام لحقوق المسيحيين السوريين من سريان وكلدان وآشوريين، القومية منها والثقافية والديموقراطية.

شطط العماد وتكويعاته لن تغير من المعادلة القائمة شيئاً فالشعب السوري وفي المقدمة مواطنونا المسيحيون لم يرحب بالعماد عون الذي ارتدى عباءة نظام الاستبداد الواقف في الجهة المعادية المقابلة لشعبي سوريا ولبنان، وكما يعلم العماد فإن قضايا الحرية والاستقلال والسيادة والتغيير والخلاص من الهيمنة والاستبداد لا تتجزأ خصوصاً إذا تعلق بشعبين صديقين جارين متداخلين في الحضارة والمصير، ولن يزيد انحراف العماد شعبنا السوري إلا احتراماً لشعب لبنان وتقديراً لقوى الرابع عشر من آذار وتكريماً لشهداء لبنان من أميرهم كمال جنبلاط مروراً بالمئات وانتهاء بالرئيس رفيق الحريري وجورج حاوي وسمير قصير وجبران تويني وبيار الجميل وغيرهم الى آخر القائمة الطويلة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل