موفدون غربيون رحّبوا بكتلة الرئيس الوسطية
وسوريا رفضتها تسهيلاً للمعارضة في الانتخابات
كان الهدف الرئيسي من فكرة تشكيل كتلة نيابية وسطية تقف بجانب رئيس الجمهورية ميشال سليمان التي طرحت قبل اشهر حل المشكلة الجوهرية التي نتجت من انتخابات سنة 2005 وادت الى تكريس الخلاف بين الاكثرية والمعارضة. ولاقت الفكرة قبولا لدى سليمان الذي رحب بأي كتلة نيابية تقف بجانب رئيس الجمهورية.
وعلى رغم ان المصالحات ارخت بثقلها على الاجواء السياسية وخففت حدة الاحتقان لدى القواعد الشعبية للفريقين المتخاصمين بعد حوادث 7 ايار، اظهرت التداعيات وما عكسته اجواء الانتخابات النقابية والاحتقانات الشبابية والحزبية في الجامعات على ابواب الاستحقاق النيابي، ان هذه الفكرة باتت حاجة ملحة لانها يمكن ان تشكل قاعدة حيوية لسحب فتيل التفجير.
وكان عارفو سليمان يريدون من الطرح المذكور تحقيق توازن بين الاكثرية والمعارضة والاحتفاظ بحصة "رئاسية" كوديعة نيابية يساهم رئيس الجمهورية من خلالها في ادارة الازمة والخلافات والانقسامات. وسليمان الذي انتخب نتيجة الرعاية الدولية والاقليمية، رئيسا توافقيا، استطاب الفكرة التي تؤمن استمرار هذا الدور، وتعزز موقعه اطفائيا لنار الازمات المتسلسلة والتي لا تزال هامدة تحت نار تسوية الدوحة.
ومع اقتراب موسم الانتخابات النيابية بدأت الفكرة تأخذ حيزا اوسع في ابحاث اوساط سياسية في ظل مروحة الاسماء المتداولة كنواة لهذه اللائحة. والاهم انها حازت رضا غربيا نقل الى المراجع المعنية بعد استمزاج رأي موفدين غربيين ابدوا تأييدهم لهذا التوجه، وحضوا على بلورته في سرعة.
ولكن طرأ اخيرا ما طرح علامة استفهام كبيرة على هذا المسار ومستقبله في ضوء معلومات وصلت الى من يعنيهم الامر، فحواها ان السوريين ابلغوا المعنيين صراحة رفضهم هذا التوجه. واوضحت الرسالة السورية ما كان حلفاء سوريا في لبنان عبروا عنه في احاديث تلفزيونية وتصريحات علنية تظهر عدم تحبيذهم انشاء كتلة نيابية وسطية موالية لرئيس الجمهورية لان نشوء هذه الكتلة يضعف مواقعهم الانتخابية والسياسية، في ظل الدعم الذي قد يلقاه المرشحون القريبون من سليمان ماليا وخدماتيا وشعبيا بحكم الامر الواقع.
وجاء تبليغ دمشق الأخير عبر احد زوارها ليتوج الرغبة السورية في اجراء الانتخابات على قاعدة "غالب ومغلوب"، لان الاستحقاق استنادا الى الاحصاءات التي تجريها مكاتب الاستطلاع القريبة من حلفاء دمشق سيكرس نجاح المعارضة في شكل ساحق، الامر الذي يستحق عدم المجازفة بهذا النجاح من خلال نشوء كتلة وسطية تضيع انجاز الاقلية المنتظر.
وتشير معلومات العاملين على قيام الكتلة الوسطية الى ان الدوائر الغربية المعنية تبلغت الموقف السوري الاخير وانعكاسه على الوضع اللبناني، مما يمكن ان يضاعف احتمالات طي الفكرة ما لم يطرأ اي توجه غربي او عربي يدعمها ويدفع في اتجاه تنفيذها وهذا امر لا يبدو ظاهرا في الافق.
وتلفت المعلومات الى ان سوريا لا ترحب بفكرة تطيح عددا من مقاعد المعارضة المسيحية، وهي ردت على هذا الاحتمال بالاستقبال الذي اعدته لرئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون وشكل الرسالة الاكثر تعبيرا عن توجه دمشق الى تثبيت الفرز الواضح بين معسكرين انتخابيين.
وفي ضوء التبليغ السوري تتضح اشارات مستقبلية قد تظهر تتماتها تباعا اذا طوي نهائيا قيام الكتلة الوسطية. فموافقة سليمان عليها، كانت ترمي الى تعزيز موقع رئاسة الجمهورية في ادارة البلاد بعد الانتخابات النيابية، مهما تكن نتائجها وهوية الاكثرية الفائزة فيها، لكن عدم حصول رئيس الجمهورية على حصة نيابية، وفق القريبين منه، سينعكس حتما على تركيبة البلاد وانقسامها الحاد بين فريقين، وعلى حصة رئيس الجمهورية الوزارية في التركيبة الحكومية المقبلة.
وكان اتفاق الدوحة سجل سابقة في تحديد حصة رئيس الجمهورية بأقل من حصة الثلثين التي كانت محفوظة له في الطائف باعتراف القائمين عليه ومتابعي تنفيذه. والخشية ان تبقي اي نتيجة انتخابية مستقبلية حصة رئيس الجمهورية الوزارية محدودة جدا بما يكبل يديه ويبقي الرئاسة في دائرة المراوحة. ولا قدرة لرئيس الجمهورية وفق اتفاق الطائف الا على تعطيل انشاء الحكومة وعدم اصدار المراسيم اذا لم تؤمَّن له حصة وزارية تعطي موقع الرئاسة خصوصيته ودوره، الا ان اللجوء الى هذا التعطيل يدخل البلاد متاهة في غنى عنها، ولا يبدو سليمان من طينة من يقدم على قرارات كهذه.
في المقابل تتهدد اي حال مراوحة موقع الرئاسة بالشلل. فالجولات الخارجية التي يقوم بها سليمان، لا بد من ان تنتهي، ولا بد للعهد من ان ينصرف بعد الانتخابات الى مقاربة الملفات العالقة، وهي كثيرة محلية واقليمية. والمعارضة والموالاة تقفان في قاعة الانتظار لتولي ادارة البلاد وفق منظارين مختلفين. ولا تبدو اي منهما مستعدة حتى الآن للتخلي عن تطلعها الى ادارة لبنان لمصلحة رئاسة الجمهورية، اذا لم تدخل الرئاسة بقوة على خط الفريقين بعيدا عن التجاذبات الاقليمية. وهذه فحوى نصيحة نقلها اكثر من موفد غربي اخيرا الى المسؤولين اللبنانيين مرفقة بدعوة الى حزم امرهم، وتحديد اولويات ملفاتهم بانفسهم وادارتها بحزم ما داموا يحظون برعاية دولية. وهذا الامر ينسحب على رئيس الجمهورية، كما على قوى الاكثرية.