#adsense

ي لا تقف على الحياد بل مع المصلحة الوطنية

حجم الخط

عندما يكون لبنان عند مفترق طرق مهدداً بمصيره
بكركي لا تقف على الحياد بل مع المصلحة الوطنية

قبل أن يقوم النائب السابق سليمان فرنجيه بزيارة بكركي للمعايدة ولكسر جليد العلاقة بسيدها والانضمام الى خلوة الرئيس ميشال سليمان مع البطريرك الكاردينال صفير، كان فرنجيه أعلن من الرابية بعد لقائه العماد ميشال عون: "اذا أراد البطريرك صفير ان يتبع سياسة الحياد ويكون لكل الطائفة فنحن لا مشكلة لدينا، انما اذا اتبع سياسة فريق، فنحن فريق".

وكان العماد عون قد سبقه قبل سنة في التعبير عن موقفه المناهض لموقف البطريرك صفير الى القول: "إن بكركي لا تمثل الرأي العام وليس لها ان تقرر عنا". وأضاف: "فالبطريرك حر أن يتكلم أو لا.. وهو منتخب مدى الحياة. اما نحن فملزمون ان نتكلم، ومسؤوليتي هي المسؤولية الاولى لأنني المكلف الاول بين المسيحيين في لبنان حتى اشعار آخر". وتساءل: "هل تريدوننا ان نستقيل من الحياة العامة ونسلم القطيع الى الجزار؟ كلا، بل سنحمي قطيعنا مع الرعاة الصالحين"…

أوساط سياسية قريبة من بكركي لا تعتبر زيارة فرنجيه حدثا، ولا يجب تحميلها اكثر مما تحمل، فقد اعتاد ان يخاصمها ثم يعود ويزورها وهي ترد على هذين الموقفين لفرنجيه وعون بالآتي:

ان بكركي لا تحتاج الى من يرسم لها سياستها الوطنية، ويحدد مواقفها التي تصب في خدمة لبنان من دون سواه والتي لا مصلحة لها سوى مصلحة لبنان ولا ولاء لها لغيره. وهي من هذا المنطلق لا يمكن أن تقف على الحياد عندما تتعرض سيادته للانتهاك واستقلاله للانتقاص، وقراره الوطني للمصادرة وكيانه للخطر، ووحدته الوطنية للتصدع. ولا يمكن ان تقف على الحياد عندما ينتهك الدستور ويتم تشويه النظام الديموقراطي، فتجرى انتخابات نيابية مخالفة لاتفاق الطائف، ويتم التمديد لأي رئيس للجمهورية بارتكاب مخالفة لأحكام الدستور، ولا يمكن ان تقف على الحياد عندما تقع البلاد تحت الانتداب او الوصاية او الاحتلال او تتعرض أعمال مؤسساته للشلل بسبب تقديم المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة بل ان واجبها الوطني يفرض عليها ان يكون لها موقف من كل ذلك وليس بالطبع موقف الحياد والتفرج حتى وان انقسم اللبنانيون بين مؤيد ومعارض بدوافع سياسية او مصلحة، لأن لا مصلحة لبكركي إلا مصلحة لبنان، وهي سياسة اتبعها كل من تعاقبوا عليها من بطاركة. فالبطريرك الحويك الذي اضطلع باسم غالبية المسيحيين والمسلمين بمسؤولية المطالبة بقيام دولة لبنان الكبير، لم يأبه لاعتراض تكتل ماروني سياسي مؤلف من أحزاب صغيرة ومنظمات أهلية وشخصيات فكرية عارضت قيام تلك الدولة مطالبة بلبنان الصغير خوفا من أي مدّ اسلامي، ولا بمن قالوا: "ان الموارنة يكونون كبارا في لبنان الصغير ويصبحون صغارا في لبنان الكبير" لان بكركي اعتبرت في ذلك الزمن ان قوة لبنان في مجتمعه التعددي وانه قابل للحياة في هذا الشكل وأن أي صيغة اخرى تلغي الكيان اللبناني، لا بل ان أبناءه يهاجرون من شدة الفقر والعوز فيصبح لبنان الصغير بدون لبنانيين مسيحيين وتحديدا موارنة.

ووقفت بكركي دائما الى جانب استقلال لبنان وسيادته. ورغم صداقتها مع فرنسا، فانها دعمت المطالبة بالاستقلال عام 1943 في عهد البطريرك عريضة. وعارضت بكركي في عهد البطريرك المعوشي ادخال لبنان في سياسة الاحلاف فنشأ خلاف شديد بينه وبين الرئيس شمعون، واتخذ موقفا ضد ممارسات ما كان يعرف بـ"المكتب الثاني" خلال عهد الرئيس شهاب، كما اتخذ موقفا معارضا لاتفاق القاهرة معتبرا أنه يشكل خطرا على سيادة لبنان واستقراره.

ولطالما شهدت العلاقة بين بكركي ورجال السياسة توترات، فقد ظهر تباين او تمايز بين موقفها وموقف المسيحيين في حرب 1975 الذين اختاروا المقاومة بعد تعطل دور الدولة بهدف التصدي للهيمنة الفلسطينية. وفضلت بكركي الحفاظ على خط وسطي يحافظ على التوازن الداخلي. وحصل خلاف بين البطريرك صفير والعماد ميشال عون عندما كان رئيسا لحكومة عسكرية موقتة، حول اتفاق الطائف، فالبطريرك وافق عليه كونه اتفاق الضرورة الذي لا بديل منه سوى العودة الى الاقتتال وعارضه العماد عون، وأدى هذا الخلاف الى الاعتداء على البطريرك في بكركي ما اضطره الى مغادرتها غاضبا الى الديمان.

واستعادت بكركي دورها الذي خسرته خلال المرحلة التي شهدت فيها المناطق المسيحية انقسامات سياسية وأعمال حربية في اطار "حرب الالغاء" فصارت بكركي في موقع المرجح للكفة بأي من الاتجاهين وبما تراه في مصلحة لبنان وليس في مصلحة فريق. ففي مرحلة الوصاية السورية شعر المسيحيون بالتهميش، فاتخذ البطريرك صفير مواقف سياسية مهمة منها مقاطعة انتخابات عام 1992 لانها تجرى على أساس قانون غير عادل وغير متوازن ومخالف تاليا لاتفاق الطائف، وكان له موقف متحفظ من انتخابات عام 1996 للأسباب نفسها، ثم كان له صراع مفتوح مع الوجود العسكري والسياسي السوري في لبنان وقد بدأ هذا الصراع مع صدور النداء الاول الشهير عام 2000 بالدعوة الى انسحاب القوات السورية من لبنان بعدما انسحبت القوات الاسرائيلية ورفضه الدائم زيارة سوريا رابطا اياها بحصول هذا الانسحاب. وقد وقفت معه في هذه المطالبة غالبية القادة المسيحيين وظلت قلة منهم مع بقاء هذه القوات، واعتبرت ان بكركي بموقفها الوطني هذا قد انحازت مع فريق ضد فريق، ولم تقف على الحياد… فأصبحت بكركي منذ ذاك التاريخ ولا تزال في الموقع السيادي الاول كما كانت أباً للاستقلال الاول عام 1943 وأباً للاستقلال الثاني عام 2005 اذ ان نداء بكركي الاول عام 2000 شكل الشرارة الاولى لانتفاضة الاستقلال، واغتيال الرئيس الحريري أشعلها في كل لبنان. وكان قد سبقها تأليف لقاء "قرنة شهوان" عام 2001 الذي قاد المطلب السيادي في الوسط المسيحي ثم أكمل قيادة هذا المطلب "لقاء البريستول" الذي ضم مسيحيين ومسلمين ثم تكتل قوى 14 آذار وفوزه بالاكثرية في انتخابات عام 2005، وهو يواصل النضال السياسي من أجل الفوز بالاكثرية في انتخابات 2009 لان هذا الفوز هو فوز للسيادة الوطنية والاستقلال التام والقرار الوطني الحر.

وبكركي التي لا يزال البعض يتهمها بالانحياز في مواقفها وعدم التزام سياسة الحياد حتى عندما يكون لبنان عند مفترق، لا تبالي بما يقال وهي ماضية في اعتماد المواقف التي تراها تصب في خدمة لبنان، اذ لا حياد بين الحق والباطل وبين الخير والشر.

ولتأكيد ذلك لا بد من التذكير بمواقف البطريرك صفير في مناسبات عدة وزيارات له الى الداخل والخارج، منها قوله: "نحن بطيبة خاطر متطرفون اذا كان التطرف يعني الاستقلال والسيادة والقرار الحر"، وقوله في احدى رسائل الصوم الكبير: "كنيستنا المارونية كان لها دورها الكبير في تكوين لبنان ومن واجب الكنيسة ان تبقى سياسيا مستقلة ولا يمكنها ان تكون وسيلة لبلوغ مآرب سياسية" ولكن الكنيسة "لن تقف موقف المتفرج على التطورات التي تهدد لبنان ودور المسيحيين فيه" وهي تعيد كل مرة تأكيد ثوابتها: "الحفاظ على الدولة والطائف وعلى المحكمة الدولية تحقيقا للعدالة" وانه "اذا أرادت كل طائفة ان تقيم وطنا لها، فلا يعود هناك وطن" وان لبنان إما ان يكون دولة تعي مسؤولياتها او تتنازل عن صلاحياتها" وان "قول الحقيقة يغضب لكنه يشفي، فلا يجوز التلاعب بقضايا الوطن وعلينا الاجتماع حوله، لا وضع القضبان في الدواليب".

لقد اثبت البطريرك صفير في كل مواقفه أنه أم الصبي، وهو رجل الدولة سواء عندما تكون دولة أو لا تكون، وان عصاه ليست ليضرب بها بل ليرعى بها خرافه ويسير بها الى شاطئ الأمان وليس ليذهب بها الى الهاوية، وهو يرفعها في وجه كل محتل ومعتد ويحرس بها الكيان لا كغيره من رجال الدين بقوة السلاح بل بقوة الحكمة والايمان وبروح قنوبين، فهو هبة من الله ليبقى رجل كل المراحل وكل الفصول، حتى اذا ما انتهى عهد الكبار يبقى هو وحده الكبير.

المصدر:
النهار

خبر عاجل