زيارة…
النقاش في العلاقة مع سوريا يا إخوان، لا ينتهي. لكنه في الآونة الاخيرة، ترافق مع خروج بعض فطاحل الممانعة على الناس متهمين بعض مَنْ في 14 آذار بالعودة للتودد الى نظامها وطلب مواعيد معه في عاصمته.
وبما أنني حريص، أشد الحرص على مصداقيتي المهنية وهوسي بالعدل وكرهي الشديد للازدواجية في الكلام والشخصية وما الى ذلك من عوامل مصنّعة للنذالة، وأمراض وأراجيف تراها كل يوم في السياسة اللبنانية، قررت البحث عن ذلك الذي يقول انه في 14 آذار ويطلب في الوقت نفسه موعداً مع السياسة السورية في دمشق، بما هي سياسة لا تزال تنفِّر الناس عندنا، وتهزّ أركان بلدنا، وتحاول في كل لحظة دكّ أسس بنياننا الوطني، وتحريض الجماعات اللبنانية على بعضها البعض، وتخريب جهود إكتمال السيادة وبناء سلطة القانون، وتعطيل قيام "علاقات طبيعية" بين حاضر البلد ومستقبله، ودسّ الاخبار والاشاعات التي تزعزع يقين الكثيرين ببلدهم و"ضرورته"… وبالمحكمة وإمكانات العدالة فوق هذه الارض، وبما هي سياسة لا تزال عوارض مرضها من لبنان كما هي وكما كانت قبل الانسحاب، ولم تتغير أو تتلون أو تتأثر لا بتغييرات دولية، ولا بقرارات عربية، ولا بسياسات مضادة لها… طالما ان تلك السياسة باقية كما هي عليه، فإن زيارتها لمن يدَّعي مقاومتها تصبح ضرباً من ضروب التدجيل، وكبيرة من كبائر النذالة لا أول لها ولا آخر.
يعني يا إخوان، أن يذهب الى دمشف من يجاهر بتحالفه معها، فهذا أمر طبيعي في حالتنا. هذا هو البلد وهذه هي بقايا نظام الوصاية، وتداعيات الحروب الاهلية، وما تفرزه من نقص وفير في المشاعر الوطنية الجامعة، وصعود غزير في المشاعر الانوية المركونة في حزب أو حركة أو مذهب أو طائفة… وهذه هي بقايا تلك المرحلة التي تعني أيضاً "بناء" لبنانيين كثر علاقة مع دمشق ضد لبنانيين آخرين، وبناء علاقة مع نظامها تصل الى حد تفضيل مصلحته على مصلحة بلدهم. هذا أمرٌ ليس جديداً رغم غرابته وفظاعته. مفهوم!
…إذن فتشت تفتيشاً كبيراً كثيراً وفيراً، فلم أجد ذلك المتهم المفترض من قبل جماعة "عذراً سوريا" في صفوف 14 آذار. ورأيت تبعاً لذلك، ان هذه التهمة تُستخدم في معرض الذم والقدح والتعيير وتوطية حيطان الاخصام وشئمتهم وإظهار انهم دجالون، ازدواجيون، غير جديرين بحمل ألقاب السيادة والاستقلال والدفاع عنهما. لكن ذلك كله، يحمل في ما يحمل، امتعاض مطلق الاتهام، من حيث لا يدري، من وصمه بتلك التهمة، فيردّها الى اخصامه مفترضاً انه يشتغل بالسياسة فيما هو يمارس ضرباً معروفاً من ضروب علم النفس.
على كل حال، ورغم كل ما قيل ويقال في هذا الشأن التزويري، وهذه التلفيقات الكاذبة من أولها الى آخرها، فإن الركون الى الذاكرة الطويلة لا يعني دائماً إغلاقاً للعقل. هذه معادلة تصح في حالات أخرى، عندما تكون الذاكرة مكتملة بحوادث مضت ولن تعود، وبالتالي فإن البقاء عندها يعني البقاء في الماضي والتاريخ، وتعطيل أي تفكير حر ونقي في المستقبل… حالتنا مع نظام سوريا ليست كذلك. ولم تنتهِ بعد عملية تعبئة ذاكرتنا وإثقالها بكل المآثر المعروفة والمشهودة.
بهذا المعنى، تصبح الطريق الى دمشق وسياستها سالكة، لكن بعد ان تعبّدها محادل العدالة والاعتراف بنهائية لبنان وشفاء ذلك النظام من عقدة خسارته وخسارة أهله. بانتظار ذلك، فإن زوارها يبقون من صنف واحد لا يحسدها أحد عليه… مهما قيل العكس!