#adsense

من ورّط غزة ؟

حجم الخط

من ورّط غزة ؟

من ورّط غزة وأغرقها في بحر من الدماء؟
قد يثير السؤال علامات تعجب، وربما استهجانا من ذوي الحناجر التي تلتهب موسميا على شاشات الفضائيات العربية. ولكن السؤال في محله، خصوصاً أن الايام الاخيرة بما حملت من تطورات أمنية – سياسية بين اسرائيل و"حماس"، كانت تؤشر الى عملية عسكرية اسرائيلية ضخمة قيد الإعداد. حتى ان بعض الوسائل الإعلامية المكتوبة العاملة في خط "الممانعين" الدمشقيين والطهرانيين صدرت امس السبت معلنة انتظار غزة الساعة الصفر للحرب عليها! أكثر من ذلك كانت وسائل الاعلام الاسرائيلية اماطت اللثام قبل يومين – عندما اطلقت "حماس" رشقات من عشرات صواريخ "الغراد" و"القسام" مستوطنات محاذية للقطاع عن ضوء اخضر لعملية عسكرية اسرائيلية ما كانت تنتظر سوى انقشاع السماء لتنطلق. من هنا سؤالنا الاول عن هوية الجهة التي ورطت غزة في مجزرة ما كانت تريدها، وإن يكن قادة "حماس" اكثر العارفين بأن المستوى السياسي الاسرائيلي أعطى الضوء الأخضر لعمل كبير ضد القطاع مختلف عما سبق، ومع ذلك لم يغيروا تكتيكهم الامني – العسكري سوى في الساعات الاربع والعشرين الاخيرة عندما فُهموا ان المسألة كبيرة وكبيرة جدا، حتى في ظل الفراغ السياسي الاسرائيلي، او حتى مع القيادة المترددة لايهود اولمرت المحوط داخل الحكومة بكل من إيهود باراك، وتسيبي ليفني، ومن خارج الحكومة ببنيامين نتنياهو.

هذا السؤال هو برسم الجهة المسؤولة بقوة الأمر الواقع عن حياة الناس في قطاع غزة، حركة "حماس" التي تندفع اليوم مصحوبة بأوركسترا عربية معروفة في حملة عبر بعض الفضائيات ضد مصر التي أمضت اسابيع وهي تحذّر "حماس" علنا وسرا من ان ثمة ما يجري التحضير له اسرائيليا، بما يعيدنا بالذاكرة الى حرب تموز التوريطية التي شنها "حزب الله" على رغم تحذيرات تبلغها من اكثر من جهة، وكان آخرها معلومات ابلغه اياها النائب سعد الحريري على هامش احد اجتماعات مؤتمر الحوار الوطني قبل بضعة ايام من الحرب. ويومها تعهد الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله أن

يكون الصيف فصلا هادئاً… ومع ذلك تورط وورط لبنان معه في حرب مدمرة، وإن يكن أشهر انتصاره فيها. وهذا ما لن يجمع عليه اللبنانيون مهما صار.
في الكارثة الغزاوية، جانب من الصورة لم تجرِ الاضاءة عليه، يتمثل في القرار "الحمساوي" في مكان ما باستدراج اسرائيل الى عملية كبيرة جدا وتوريط قطاع غزة في مجزرة. في المقابل أصوات تطالب الشرعية الفلسطينية بوقف المفاوضات والاتصالات مع الاسرائيليين. والمطلب حق، وكذلك مطالب تعليق العلاقات الديبلوماسية بين بعض الدول العربية واسرائيل، وهي ايضاً مطالب حق. اما عن العلاقات المخابراتية البعيدة عن الأضواء بين اسرائيل وبعض العرب المزايدين في العروبة الخطابية والتلفزيونية، فما من مطالب.

واما عن المفاوضات السورية – الاسرائيلية فما من مطالب بوقفها. واما عن اقفال المكاتب التجارية الاسرائيلية المنتشرة هنا وهناك فما من مطالب. حتى ليبدو من خلال كل ما حصل خلال يوم امس ان غزة تحترق من اجل ان يصفّي بعض العرب حساباتهم مع بعضهم الآخر. وربما كان هذا التفسير الاقرب الى المنطق في ظل انطلاق بعض الفضائيات التي ما لم يؤدِ نهجها سوى الى تعميق الانقسامات العربية – العربية في قيادة حملة منسقة ضد مصر تريد تحميلها المسؤولية عن مجزرة لم توصل اليها سوى التدخلات الايرانية والسورية والانقلابات على الشرعية الفلسطينية، فضلا عن مغامرات شبيهة بمغامرات "حزب الله" في لبنان. ولعل ابلغ مثال على الرياء "القومجي" موقف السيدة بثينة شعبان مستشارة الرئيس السوري، ردا على سؤال احدى الفضائيات "المُزايدة" عما اذا كانت سوريا ستوقف المفاوضات مع اسرائيل رداً على المجزرة، فقد حملت شعبان المجتمع الدولي المسوؤلية عن المجازر الاسرائيلية، وتبحرت في سرد جدول مفصل باتصالات رئيسها مع القادة العرب لمتابعة الموضوع، ثم شتمت الاسرائيليين واصفة اياهم بالارهابيين. لكنها تهربت ولم تجب عن السؤال حول قطع المفاوضات مع الاسرائيليين. وبالطبع لم تلاحقها مذيعة الفضائية التي كانت مأخوذة بنشوة الاستماع الى خطاب اقتصر على "كليشيهات" النظام السوري المعروفة!

خلاصة القول: ان كان للبنانيين المُكتوين بنار الحروب والفتن والحروب بالواسطة ان يقدموا النصح الى الفلسطينيين في غزة والى قيادة "حماس"، فأنهم ينصحونهم بأن ينزعوا من عقولهم ونفوسهم "عقدة" "حزب الله"، لأن الحزب لم يجرّ سوى الانقسامات والصدامات الداخلية، وفاقم مناخات الفتنة، وأقحم لبنان في حروب من أجل الآخرين ليعود فيوجه سلاحه الى صدور ابناء البلاد. فإذا كان من مثال على الفلسطينيين ألا ينشدوه، فإنه مثال الحزب المشار اليه لأنه الطريق الاسرع الى الحروب الاهلية والفتن، وحروب الآخرين بلحم الفلسطينيين العاري، ونهايته انفجار المشروع الوطني الفلسطيني، كما انفجر من الناحية العملية مشروع الوطن الواحد في لبنان صباح السابع من ايار 2008.

المصدر:
النهار

خبر عاجل