اكتسب أهمية خاصة لتزامنه وتطورات تثير المخاوف على لبنان
موقف سليمان يحدّد سقف التضامن والحماية بعيداً من المزايدات
حدد رئيس الجمهورية ميشال سليمان خلال زيارته للجنوب يوم السبت المنصرم والتي تزامنت مع بدء العدوان الاسرائيلي على غزة، باعتبار انها كانت مقررة سلفاً، وغداة كشف صواريخ منصوبة في الجنوب معدة للاطلاق في اتجاه اسرائيل، سقفا مهما جدا للموقف اللبناني يعتبر كثر ان من الصعب تجاوزه ما لم يرتب ذلك تداعيات خطرة جدا على مستوى لبنان ككل وحتى ابعد من ذلك. فالرئيس سليمان الذي كرس الاشهر الستة الاولى من ولايته لجولات على عواصم دول مؤثرة وفاعلة في الوضع اللبناني لترسيخ واقع عودة موقع الرئاسة الاولى في لبنان، لقي خلالها، على الاقل وفق ما هو معلن من مواقف للعواصم المعنية، على تناقضها وخلافاتها، كلَّ الدعم اللازم، وأبرز نقاطا في غاية الاهمية تكرس الواقع الجديد للبنان بعد حرب تموز 2006. واهميتها انها تتزامن مع ظروف غير سياسية فقط تملي اعلانها وليست مقصودة من حيث افتعال مناسبة لتوجيه رسائل ما في اي اتجاه على ما قد يفهم من اطلاق مواقف بهذه الاهمية من رئيس الجمهورية في ظروف مختلفة. ثم ان التعبير عنها في شكل او آخر من افرقاء سياسيين كان ليثير ولا يزال ردود فعل انفعالية نتيجة التفسيرات والتأويلات التي تخضع لها مثل هذه المواقف نتيجة الاصطفاف السياسي الحاصل في لبنان منذ ما بعد حرب تموز قبل عامين والانشقاق الذي تسببت به . هذه النقاط حددها رئيس الجمهورية بالآتي :
أولاً: ان لبنان ضد حصار غزة وهو يدعم القضية الفلسطينية المحقة، وخصوصا حق الفلسطينيين في العودة ورفض التوطين، مقفلا الباب على اي مزايدات يمكن ان ينجرّ اليها لبنان تبعا للمزايدات وحفلات التخوين بين الدول العربية وغير العربية، بحيث ترمى التهم على الآخرين في وقت يتقاعس مطلقو التهم عن الادلاء سوى بمواقف عاطفية. وقد ساهم جميع الافرقاء اللبنانيين في تأكيد ذلك عبر التضامن مع الفلسطينيين خلال الساعات الاخيرة على نحو رسمي وشعبي لا يمكن التشكيك فيه.
ثانياً: ان لبنان هو واحة تفاهم للجميع وليس ساحة للصراعات وتصفية الحسابات. وعلى اي كان احترام لبنان وسيادته والا يجعل الجنوب منصة لاطلاق الصواريخ خصوصا بعد انتشار الجيش فيه ورفع العلم اللبناني بعد 30 عاما من الغياب ومساعدته القوة الدولية على تطبيق القرار 1701، ولو انه يُخرق من جانب اسرائيل".
ثالثاً: التمسك "بالقرار 1701 الذي ينص على منع الاعمال العدائية من جنوب لبنان، ولذلك على الجميع التزام هذا القرار ومسؤولية الدفاع اصبحت على عاتق الجيش اللبناني"، من دون ان ينسى الاشارة الى الاستراتجية الدفاعية التي في صددها طاولة الحوار للاستفادة من المقاومة في هذا الاطار.
هذه النقاط هي بالغة الاهمية والوضوح ومتعددة البعد في رأي مصادر سياسية متابعة خصوصا ان التعبير عنها من رأس هرم السلطة في لبنان في مرحلة تحفل بالأخطار ويخشى منها على لبنان لاعتبارات عدة، وهو يقفل باب المزايدات من اي جهة أتت، محلية او خارجية، كما يقفل بابا مهما على خلافات او جدل داخلي يمكن ان ينشأ في هذا الاطار، بغضّ النظر عن حسابات الافرقاء ومصالحهم المباشرة او البعيدة المدى. فالتوقيت الذي تزامن واطلاق هذه المواقف كان مناسبا باعتبار انه صادف مع بدء اسرائيل عدوانها ولا يمكن لبنان ان يبدو مرشحا، بحسب المصادر السياسية المعنية، على خط ادخاله او توريطه في حرب هو معني بها من زاوية تضامنه القوي مع الشعب الفلسطيني والعمل بكل الوسائل الممكنة والمتاحة داخليا ودوليا من اجل وقف الاعتداءات الاسرائيلية وتجنيب الشعب الفلسطيني المآسي. وهو ما حاول ايصاله موقف رئيس الجمهورية الذي يصب في خانة التنظيمات الفلسطينية الموجودة في لبنان ايا تكن انتماءاتها، وكذلك الاجتماعات التي عقدها رئيس الحكومة مع مسؤولي الفصائل الفلسطينية. وهذا السقف ملزم للجميع من فلسطينيين وغير فلسطينيين، ما لم يكن ثمة نية كبرى لإطاحة ليس فقط هيبة الرئاسة اللبنانية في هذا التوقيت بالذات، بل ايضا استخدام لبنان مجددا ساحة من ساحات المعركة باعتبار ان الحسابات التي ترسم على اساس ما يجري في غزة والمجزرة التي ارتكبتها اسرائيل فيها تتعدى الانعكاسات على الوضع الفلسطيني الى جملة اوضاع اقليمية في حسابات الربح والخسارة، ما لم يكن ثمة قرار عربي بخوض حرب شاملة ضد اسرائيل من كل الدول العربية، وعندها يختلف الموضوع كليا ويصبح لبنان معنياً مثل سواه من الدول العربية. فالوضع اللبناني لا يحتمل تورطه او توريطه في حرب جديدة، ويتوجّب تالياً تحصينه بموقف موحد لا يخضع لمزايدات من هنا او هناك، علما ان المجزرة الاسرائيلية في حق الفلسطينيين تجاوزت كل منطق، وهي غير مقبولة بكل المقاييس ولا تبرر وحشيتها اي اسباب او اخطاء من اي نوع.
الا ان السؤال الذي يثيره البعض يتعلق بما اذا كان سيتم الالتفاف على هذا الموقف بمواقف اخرى في حال لم تقع مواقف رئيس الجمهورية في الموقع الملائم في حسابات البعض، خصوصا ان تحركاته او جولاته لم تخل في محطات اساسية منها من محاولات التفاف او قوطبة اعتُبرت رسائل سياسية بكل المقاييس، فضلا عن انه قد لا يكون مسموحا في حسابات البعض ان يحدد لبنان مفهومه لسيادته على ارضه ودفاعه عنها على النحو الذي عبر عنه الرئيس سليمان اخيراً.