المتواطئون ليسوا بالتأكيد من نصح وحذّر.. بل الغلاة
الاعتدال العربيّ ضرورة أكثر من أي وقت مضى
مصاب أهل غزّة يوزّع مفردات العجز الحضاريّ على الجميع، بالتساوي. العجز عجزٌ إن أقرّ به المرء أو كابر. الفارق أن المكابر على عجزه يضاعف عجزه.
غزّة تستغيث. ليس للإستغاثة أن تلبّى. الجميع يستنكر. ليس للإستنكار أن يوقف المجزرة. لكن ذلك لا يعني أنّ عندنا ما هو أفيد من الإستنكار، كما أنّ ليس عند أبناء غزّة ما هو أفيد من الإستغاثة.
ما من "معتصم" يمكنه أن يلبّي نداء غزّة، على طريقة الخليفة العبّاسي المعتصم بالله الذي لبّى نداء تلك المرأة من عمورية التي استغاثت بأمير المؤمنين من غزوة الرّوم.
فالتهمة التي توجّه إلى "محور الإعتدال" العربيّ ليست بتهمة. هي تثبيت لصوابية خطّ الإعتدال. الإعتدال العربيّ أخطرَ أبناء غزّة منذ البدء: بأنّه ليس من معتصم يأتي، وأنّه ليس من عصر إنتصارات نعيش فيه، وإنّما هزائم تتكدّس فوق بعضها البعض ولا تغيّرها مغامرة من هنا أو مكابرة من هناك.
أما محور "الغلوّ" الذي يقوده نظام الملالي في إيران ويخترق بشكل تناحري وإنتحاريّ الساحة الفلسطينيّة، فلم يوفّر مناسبة صغيرة كانت أم كبيرة ليعدنا بخلاص مهدوي يهبّ لنجدة كل مستغيث بأسرع من تلبية الخليفة المعتصم لنداء تلك المرأة من عموريّة.
الإعتدال أصدق أبناء غزّة القول: ليس ثمة معتصم يأتي. للتحديد أكثر: المعتصم الذي لم يأت مع جمال عبد الناصر لن يظهر قبل عقود طويلة.
أما الغلوّ فكذّب ويكذّب على أبناء غزّة: إنّ مخلّصاً أعظم من المعتصم سوف يأتي، وسوف يدمّر كيان دولة إسرائيل. كم مرة ردّد محمود أحمدي نجاد هذا الشعار.
.. ثم تقع الواقعة. الإعتدال الفلسطينيّ يستغيث. الإعتدال العربيّ يستنكر. الإعتدال الفلسطيني والعربيّ يدرك حدود دائرة الإستغاثة والإستنكار لكنه ينطلق منها، لعلّ وعسى. أمّا أهل الغلوّ والمكابرة والمزايدة والممانعة فليس من فعل إيجابي يأتون به غير الإستغاثة والإستنكار. مع ذلك هم يلعنون غيرهم من المستغيثين والمستنكرين. يقولون أن "الأمّة" نبذت عصر الهزائم منذ وقت طويل، وأنّ ما نعيشه إنتصارات. لكن ما الذي يضيفونه على الإستغاثة والإستنكار؟ وابل من الوعيد المبدّد في كلّ إتجاه، والذي يضرب الفائدة الأساسية الوحيدة التي كانت ستوفّرها دائرة الإستغاثة والإستنكار: تحقيق نوع من إجماع ضميريّ على المستويات العربية والإسلامية والإنسانية.
إذا كان أهل الغلوّ يكثرون من سبّ أهلّ الرويّة حدّ إتهامهم بـ"التواطؤ" مع العدوان الإسرائيليّ، فعلى أهل الرويّة واجب الدفاع عن إعتدالهم أكثر من أي وقت مضى. صار هذا الإعتدال بحكم الضرورة السياسية والأخلاقية في وقت واحد. أبداً لا يستوي الذين حذّروا أهل غزّة من هكذا مصاب والذين أمعنوا في الدفع بأهل غزّة إلى الآتون. أبداً لا يستوي الذين بذلوا كل جهد ممكن لرأب الصدع في الجسم الفلسطيني، ولمنع الإقتتال بين الأخوة، وبين الذين جعلوها "حرب تطهير شاملة" ضدّ من أسموهم "دحلانيي" العالم العربي؟
بالمناسبة، قال العقيد محمد دحلان كلاماً يشبه الحكمة أوّل أمس. قال ما معناه أن الذي صدّق فعلاً لعبة "أوسلو" وحمّلها أكثر مما ينبغي هي "حماس" وليس "فتح". "فتح" ارتضت مسار أوسلو من باب التدرّج والتيسير، لكنّها ظلّت تدرك ان الإحتلال ما زال قائماًَ إن في الضفة أو في القطاع. أما حماس فصدّقت بأن القطاع تحرّر بالفعل، وصار قاعدة آمنة يمكن من خلالها تحرير مناطق أخرى، وأسرفت في الإنعزال عن العلاقات العربية التي كانت تشكّل حلقة أمان للقضية الفلسطينية.
"الدحلانية" ليست تهمة. الرجل قد يصيب أو يخطئ ولا يطرح نفسه في الحالتين للتقليد الأعمى. الطامة الكبرى موجودة في مكان آخر. هي في معسكر الذين يريدون أن تبني كل شعوب المنطقة حساباتها على أساس أن مخلّصاً نووياً إيرانياً سيأتي وقد لا يأتي ولن يأتي.
والمشكلة مع هذا المعسكر ليست فقط مع غلّوه ومكابرته. إنّها فوق ذلك مشكلة قوميّة. ثمة دولة، إيران، لم تشارك في أي من الحروب النظامية بين العرب وإسرائيل، بل كانت إلى جانب إسرائيل طوال الحروب النظامية، وصارت بعد إنقضاء مرحلة الحروب النظامية تريد أن تزايد بإسم "المقاومات" التي ما كانت تعني إلا تفتيت الوحدات الكيانية العربية، بما في ذلك الوحدة الكيانية الضرورية جداً بالنسبة إلى القضية الفلسطينية من حيث هي أوّلاً قضية شتات أكثر ما تحتاج إلى لمّ الشمل.
بالنتيجة فإن هذه الدولة، وأياً كان خطابها الإيديولوجي، فإنها صارت بحكم من عقد، موضوعياً، نوعاً من إتفاقية "سايكس بيكو" جديدة مع إسرائيل لتقاسم المنطقة العربية، وبالتحديد ما يعرف بـ"الهلال الخصيب". مأساة غزّة جزء من مشروع تفتيتي تطلقه إسرائيل وتتيحه "الممانعات" لتدمير كل الكيانات العربية. الإبقاء على الإعتدال كثابتة أخلاقية وسياسية هو ضمانة أولى بوجه هذا المشروع.