الاستراتيجية الدفاعية".. بين سياسة الانتظار وعوامل الإنفجار!
حسناً يفعل رئيس "هيئة الحوار الوطني"، الرئيس ميشال سليمان، وهو يقرر مرة بعد أخرى إعطاء "طاولة الحوار" أكثر مما تحتاجه زمنياً بين جولة وجولة، وأكثر مما تحتاجه نقطة البحث الوحيدة أمامها، لأنه يحول بذلك دون الوصول بالحوار الى ساعة الحقيقة، أي الفشل المؤكد، من جهة فيما يبقي المسألة والحوار حولها في رأس جدول الأعمال من جهة ثانية. لا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لـ"لجنة الخبراء" التي قيل انها شكلت، أو ستشكل في وقت لاحق، للنظر في ما فعلته هيئة الحوار ولمحاولة التوفيق بين الأفكار التي جرى التداول بشأنها. فالوقت يبقى هو الأساس، والزمن ربما يحل ـ في إطار "هيئة الحوار الوطني" أو في إطار "لجنة الخبراء" ـ ما يبدو الآن غير قابل للحل!
ذلك أنه لم يعد من شك، على الرغم من الأوراق والخطط المقدمة حتى الآن وتلك التي ستقدم في وقت لاحق، أن ما يسمى "الإستراتيجية الدفاعية" لم يكن في السابق، وليس هو الآن، ولن يكون في المستقبل، إلا غطاء لـ"أمر واقع"، عسكري وسياسي وأمني واقتصادي، يضع اللبنانيين أمام خيار من اثنين: إما القبول به كما هو من دون تعديل، أو المخاطرة بدفع البلد الى حرب أهلية. وإذا لم يكن القول بـ"أن سلاح" حزب الله "باقٍ.. باقٍ.. باقٍ، ما بقي القرآن والانجيل" دليلاً كافياً، باعتباره كلاماً سابقاً لأحد ممثلي الحزب في مجلس النواب، فما أعلنه نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم قبل أيام فقط وربط فيه مستقبل هذا السلاح بتحرير كامل الأراضي المحتلة في فلسطين يرقى الى مستوى الدليل القاطع.
فأية "إستراتيجية دفاعية" هي هذه التي يبحث عنها، وحتى يبحث في تفاصيلها، أولئك الذين يجلسون حول طاولة الحوار؟!
الواقع أن لا قاعدة صلبة، بل ولا أمل ولو ضئيلاً في التوافق على أية "إستراتيجية دفاعية" لا الآن ولا في المستقبل المنظور، ما دامت الظروف اللبنانية والإقليمية والدولية على حالها من جهة وما دام البحث يدور في متاهة بقاء /تعاون/ استقلال/ استيعاب/ سلاح "حزب الله" في مؤسسة الجيش اللبناني.
فقط، هناك نقطتان أساسيتان يمكن أن تشكلا، في الظروف المحلية ـ الإقليمية المتشابكة حالياً، مضموناً عملياً لأية إستراتيجية دفاعية حقيقية، في ما لو أمكن للمتحاورين أن يتفقوا عليهما، فضلاً عن أن يكرسوهما كحقيقة ومبدأ ثابتين ولو بصورة سرية في ما بينهم:
1 ـ تجنيب لبنان أية مغامرة عسكرية، محسوبة أو غير محسوبة، سواء على الحدود الجنوبية مع العدو أو ضد مصالحه في العالم، واعتماد العمل السياسي والديبلوماسي وعلاقات لبنان مع الأمم المتحدة ودول العالم لتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من الغجر من قبضة الاحتلال.
2 ـ تحييد سلاح "حزب الله" عن الصراعات السياسية المحلية، ليس بالكلام بل بالممارسة الفعلية على الأرض في ضوء الاستباحة المسلحة لبيروت والجبل في 7 أيار، بما في ذلك أساساً إنهاء ما يسمى بـ"المربعات الأمنية" المقامة تحت شعار حماية قادة الحزب وكادراته، في مقابل توفير هذه الحماية بواسطة أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية.
وغني عن القول إن الحاضن الأول والأخير لمثل هذه الإستراتيجية، ثم لضمان تنفيذها، ينبغي أن يكون إجماع المتحاورين على العمل الجاد لتسليح الجيش وتوفير ما يحتاجه من إمكانات تقنية للدفاع عن البلد في حال استهدافه بأي اعتداء إسرائيلي.
ذلك أن ما رافق هبة مقاتلات الـ"ميغ 29" الروسية العشر للبنان، وما سيرافق من دون شك صفقة الدبابات الثقيلة التي وعدت بها الولايات المتحدة، لم يؤكد فقط ضحالة الحديث الذي بدأ منذ ربيع العام 2006 عن "الإستراتيجية الدفاعية" وإنما أيضاً وقبل ذلك نية الحيلولة دون أي مسعى لبناء جيش لبنان قوي ومسلح تسليحاً حديثاً.
وعملياً أيضاً فإذا لم تكن الحملة الشعواء والمتواصلة منذ أعوام على قوى الأمن الداخلي، وعلى شعبة المعلومات فيها، تتصل مباشرة بقضية الدفاع عن البلد في وجه أي عدوان عبر الحدود، فليس مبالغاً فيه ولا هو تجاوز للحقيقة إدراجها في سياق النية المبيتة إياها: الحيلولة دون بناء أمن داخلي حقيقي يكون عوناً للجيش وقواه المسلحة في الدفاع عن البلد في وجه أي اعتداء خارجي عبر هذه الحدود.
بل وأكثر من ذلك، فرسم "خطوط حمر" في وجه الجيش في مخيم نهر البارد ثم بعد ذلك في منطقة مار مخايل، ومنع قوى الأمن الداخلي من أداء واجباتها الوظيفية في إزالة المخالفات في أكثر من مكان وعلى أكثر من صعيد، لا يمكن فصلهما عن النية ذاتها مهما قيل غير ذلك.
ما يهم في ما سبق أن حديث "الإستراتيجية الدفاعية"، الذي بادر إليه في شباط العام 2006 الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، يبدو الآن وقد استنفذ غرضه بصورة كاملة وشبه نهائية، خاصة في ضوء ما شهده لبنان منذ ذلك التاريخ… من حرب تموز/آب العام 2006، الى سيل الاتهامات بالخيانة للحكومة ورئيسها وأكثر من نصف الشعب اللبناني، الى استباحة بيروت والجبل بالسلاح في 7 أيار، الى إعلان الشيخ قاسم تمسك الحزب بسلاحه الى ما بعد تحرير فلسطين، الى أخيراً قول مسؤول علاقات الحزب الدولية نواف الموسوي إن ما يعني الحزب من "الإستراتيجية الدفاعية، هو خطته هو بشأنها، وليس أية خطة أخرى، يقدمها هذا الفريق أو ذاك، بغض النظر عن ماهية الخطة وعن خلفية الفريق الذي يقدمها.
وإذا كان أحد في لبنان، أقله كما يبدو في الظاهر، لا يريد دفع البلاد الى هاوية الحرب الأهلية أو تعريض البلاد مجدداً الى عدوان واسع لا يكتم العدو الإسرائيلي أنه سيكون مدمراً أكثر مما في التصور، فلا بد للبنانيين (المتحاورين أساساً) أن يخرجوا من "عنق الزجاجة"، حتى لا نقول "حوار الطرشان"، الى الحديث الجدي ـ ولو بعد حين من الزمن ـ عما ينفع عملياً في إنقاذ البلد مما هو فيه حالياً، وفي الدفاع عنه في وجه أي اعتداء يتعرض له في أي وقت في المستقبل.
..وحسناً يفعل رئيس الجمهورية بإعطاء "طاولة الحوار" والمشاركين فيها مزيداً من الوقت، بين جولة حوار وأخرى، لكن ما يحدث عملياً على الأرض (صواريخ الكاتيوشا الموجهة الى الأراضي المحتلة من الجنوب قبل أيام) وما يقال في العلن عن ربط سلاح "حزب الله" بما هو خارج الحدود جغرافياً وخارج حدود طاقة اللبنانيين بشرياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، يتطلب في الواقع كلاماً مختلفاً مع الأطراف المعنية وفي ما بينها.. وربما سياسة مختلفة عن سياسة الانتظار.
فقد تكون الظروف المحلية والإقليمية والدولية مانعاً جدياً للتقدم في موضوع "الإستراتيجية الدفاعية"، أية إستراتيجية دفاعية للبنان، لكن الظروف ذاتها، وبالقدر ذاته أيضاً، قد تكون عاملا جدياً في الانفجار. وليس جائزاً بعد الآن الاكتفاء بالدعاء: وقى الله لبنان مثل هذا الشر!!