لا "مقاومة" عملية فعلية في غزة والعدو يستفيد من التصادم مع الشرعيتين الفلسطينية والعربية..
و"الإنتهازية السياسية" قاتلة
"دروس غزّاوية" للتعميم أهمها درس الوحدة الوطنية
بالرغم من حقيقة أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة لا تزال في "مراحلها الأولى"، فإنه يمكن الحديث عن عدد من الدروس الرئيسية القائمة الآن بالفعل.
لا "مقاومة" فعلية في غزة
الدرس الأول، وقد أبرزه المشهد الغزاوي بشكل جلي وظهّره على نحوٍ لا جدال فيه، هو أن لا وجود جوهرياً لـ"مقاومة" في القطاع.
فـ"الوقائع" العسكرية تفيد أن ثمة حرباً إسرائيلية تستخدم عوامل القوة والتفوق الإسرائيليين، بواسطة سلاح الجو تحديداً، أي ان العدوان على غزة يستند الى توازن قوة شديد الخلل لصالح إسرائيل. وتفيد "الوقائع" أيضاً أن العدوان الإسرائيلي ذو قدرة تدميرية بحيث لن يترك لـ"المقاومة" الغزاوية فرص اختبار بطولاتها "على الأرض"، أي فرصة مواجهة تقدم برّي إسرائيلي، من الواضح ان إسرائيل لم تجعل منه أولوية داهمة ولن تلجأ إليه إلا في وقت "مناسب". وكذلك تفيد "الوقائع" أن "المقاومة"، ليس فقط لا تستند الى "توازن ردع"، بل هي لا تملك قدرة "الإيذاء" الفعلي.
"العسكرة" أضرّت بالنضال الفلسطيني
الدرس الثاني، ويتأكد أكثر فأكثر، هو أن ما جرى من "عسكرة" للنضال الفلسطيني في "الداخل" عبر السنوات الماضية، وصولاً الى "إقتطاع" أرض فلسطينية ـ هي غزة ـ وتحويلها منطقة عسكرية، إنما أساء الى القضية الفلسطينية وكبّد النضال الوطني الفلسطيني أضراراً جسيمة.
ذلك أنه، في تجربة النضال الفلسطيني، بعد إنتقاله من "الشتات" إلى "الداخل"، لا يخفى أن تجربة الإنتفاضة الأولى بين 1987 و1993 كانت ناجحة، بالضبط لأنها وبوسائل "مدنية" حققت صموداً فلسطينياً إستثنائياً، وإنتزعت شرعية عربية وإعترافاً دولياً بدونهما لم تحقق القضية الفلسطينية "الإختراقات" الوحيدة التي كان لها أن تحققها.
الشرعيتان الفلسطينية والعربية
أما الدرس الثالث "المكمّل" للدرسين السابقين فهو أن لا وجود لـ"مقاومة" ولا إمكانية لها إذا كانت "مقاومة" لفئة سياسية لوحدها، أي إذا كانت خارج الوحدة الوطنية لشعبها، وبالتصادم مع الشرعية الوطنية الفلسطينية. ذلك أن التصادم مع الوحدة والشرعية الوطنيتين من جهة ومع الشرعية العربية والدولية من جهة أخرى، يقدم خدمةً لإسرائيل وعدوانها.
خطورة "الحرب" على النظام العربي
والدرس الرابع هو أنه لا يمكن لفصيل "مقاوم" أن يمعن في الهجوم على الدول العربية بل على "النظام العربي"، أي أن يمعن في الخروج على الإستراتيجية العربية، ثم يطالب "النظام العربي" بأن يتحوّل إلى "مقاومة". وهذا يعني أنه لا يمكن لفصيل "مقاوم" أن ينصرف ـ ولو لبرهة من الزمن ـ عن مقاومة العدو ليخوض حرباً ـ حتى سياسية ـ ضد النظام العربي ويضع العرب في خانة العدو.
والحال أن هذه "الإشكالية" ليست جديدة، إشكالية "التفاوت" بين النظام العربي ومشروعه من ناحية وبين النضال الفلسطيني ومشروعه من ناحية أخرى. وهو "تفاوت" في "الحدود السياسية". بيد أن التجربة على إمتداد عقود تفيد أن لا مصلحة لأحد، في الإطار الفلسطيني تحديداً، في دفع "التفاوت" إلى حد "التناقض". بل إن المحصّلة العربية تمثل غطاء لا إستغناء عنه في أي مرحلة من المراحل. والحال أيضاً أن أحداً لا يستطيع أن يفرض إستراتيجية من خارج الشرعية الوطنية في بلده ومن خارج الشرعية العربية في آن.
الإنتهازية السياسية
والدرس الخامس هو أن أي فصيل "مقاوم" لا يمكنه أن يكون "راديكالياً" ضد دولة عربية أو عدد من الدول العربية، و"متساهلاً" مع دول أخرى تقدم خطاباً "جذرياً" في لفظيته ومفرداته لكنها تمارس "عن يمين" الإستراتيجية العربية. لا يمكن لفصيل "مقاوم" أن يحمل ـ في الوضع الراهن في غزة مثلاً ـ على مصر، وأن يغضّ النظر في المقابل عن إندفاعة النظام السوري باتجاه إسرائيل والتفاوض معها، بل تحريضه إسرائيل على مواجهة "حركات المقاومة"، أو عن ايران التي رفعت السقف ضد إسرائيل وصولاً الى الوعد بإزالتها قريباً لكنها لا تحرك ساكناً في واقع الأمر.
هذا الدرس الخامس يفيد ان لا "انسجام" بين "مقاومة" من جهة و"انتهازية سياسية" من جهة ثانية. وذروة "الانتهازية السياسية" هجوم بلا هوادة على دول عربية تعطي القضية الفلسطينية وفي وسعها ان تعطيها، في مقابل تبريرات ـ بلا هوادة ايضاً ـ لأنظمة في دول اخرى بذريعة خطاب لفظي "ممانع".
إذاً، لدى مقاربة مأساة غزة في ضوء الهمجية الاسرائيلية "المتجلية" في هذه الايام، ليس "اكتشافاً" ان يقوم أحد في "الأمة" بتحليل العدوانية الصهيونية وتفصيلها. "القوة" اليوم هي أن يتحلى اي متحدث بشجاعة الإعتراف بـ"الدروس الغزاوية" السالفة الذكر، أي أن يتحلى بشجاعة الإعتراف بوجود ذرائع أُعطيت للعدو مجاناً… ومكنته من عدوانه.
إستعادة وحدة الشرعية الفلسطينية
تأسيساً على كل المقدمات الآنفة، لا مفر من تسجيل العناوين الرئيسية الآتية:
إن المدخل المباشر إلى مواجهة العدوانية الإسرائيلية، هو إستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية في إطار شرعية وطنية فلسطينية موحدة، بما يطوي صفحة الإنشقاق "القاتل" الذي وقع في حزيران 2007، وبما يعيد غزة جزءاً لا يتجزأ من جغرافية فلسطين.
والمدخل المشار إليه يعني ان يتفق الفلسطينيون بينهم على برنامج سياسي ـ نضالي موحد. وفي هذا البرنامج يزاوج الفلسطينيون بين مختلف أشكال النضال. لا معنى لـ"تمجيد" الأساليب العنفية، لكن لا بد من إستعادة "المقاومة الشعبية" جنباً الى جنب مع الصراع السياسي ـ الديبلوماسي ـ التفاوضي.
..والدينامية اللازمة للمبادرة العربية
لا بد أن تنطلق الشرعية الوطنية الفلسطينية الموحدة نحو المبادرة. تضيف قوة وحدتها وقوة القضية الى الشرعية العربية ونظامها. وتستظل بقوة الشرعية العربية. تعطي دفعاً لمبادرة السلام العربية لتستند هذه المبادرة الى وحدة فلسطينية في "المشروع" و"الوسائل". وتكامل الشرعيتين الفلسطينية والعربية، هو الدينامية السياسية التي لا بد منها من اجل جعل القرار 1850 الصادر عن مجلس الامن قبل أيام قراراً ذا قيمة، أي من أجل جعل "تدويل" عملية السلام الإقليمية مسألة ناجحة. أي التمسك بمبادرة السلام العربية لكن مع ديناميات "أخرى".
إن العدوان الإسرائيلي على غزة "يستفيد" من أخطاء وذرائع. ولا بد من بداية مسار تصحيحي في خضم النضال لوقفه. شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" غير صحيح، إذ لا مفرّ من التصحيح لكسب المعركة.