لأنها محرقة… وكفى !
لأن محطات الاجماع في لبنان صارت نادرة، وان حصلت فغالبا ما تكون بأمر واقع قهري اكثر منه نتيجة اقتناعات وطنية حقيقية، لا ضير في اعتبار موجة التضامن التي اعلنتها مختلف القوى السياسية اللبنانية مع غزة و"الشعب الفلسطيني" تحديدا واحدة من هذه المحطات النادرة.
ثمة كثير من الوجوه المرعبة في المجزرة الاسرائيلية الجديدة المرتكبة في غزة والتي لا تزال فصولها الدامية جارية ما يستصرخ تضامن العالم بأسره مع الشعب الفلسطيني وليس لبنان فحسب الاولى بالانفعال والتضامن لفرط ما شهد من مجازر مشابهة في جنوبه ومناطق تماسه مع اسرائيل وحتى تلك البعيدة عنها. لكن الواقع الآخر المرادف لهذه الحقيقة هو ان لبنان كان من بين الدول العربية الاولى التي اطلقت دوي التضامن، بصرف النظر عن المفاعيل التي قد يتركها اول لا يتركها هذا الاجماع على المستوى الداخلي، لكونه "ينفخ اللبن لان الحليب كواه". وتبعا لذلك تتجاوز موجة التضامن مع غزة والشعب الفلسطيني اطار العراضة الكلامية الى حقيقة بارزة من الحقائق السياسية اللبنانية في هذه اللحظة الداخلية والعربية والاقليمية لا بد من رصدها ومعاينتها بالعمق الذي تستحقه.
من الواضح تماما ان الانقسام اللبناني حول سياسات "حماس" يكاد يكون نسخة متطابقة عن الانقسام حيال سلاح "حزب الله"، وهذا الانقسام ذاهب على الارجح نحو مزيد من التفاقم على المستويين الفلسطيني واللبناني، تماما كما حصل بعد حرب تموز 2006.
غير ان حجم المذبحة الاسرائيلية وهولها الصاعق كانا بمثابة زلزال اخلاقي وانساني بحيث فاقت الصدمة كل التصورات والتوقعات والتجارب الدموية السابقة ووجهت الاصداء اللبنانية حيالها الى مكمن الخوف الحقيقي، وهو العدوانية الاسرائيلية المتفلتة من كل الضوابط ومن كل "قوانين" الحروب. فغزة شهدت في السبت الاسود انفجار ظاهرة نازية محدثة بكل المعايير الاجرامية مع اندفاعة آلة الحرب على اصغر بقعة جغرافية مكتظة باكبر نسبة سكانية في العالم لتعمل فيها "اعدامات جماعية" كما صورها تماما ناجون من المحرقة. حصل ذلك في دقائق، مما يعني ان اسرائيل ارادت تعميم الثأر الجماعي ودروسه ورسائله ليس في اتجاه الفلسطينيين وحدهم، بل ايضا في اتجاه اللبنانيين. هذا العصف الدموي الناري وضع القوى اللبنانية امام حقيقة اقليمية هي الاعرف بها اسوة بالفلسطينيين انفسهم، اي حقيقة تحين اسرائيل فرصة "التوقيت الذهبي" لاطلاق عدوانيتها وسط ظروف دولية واقليمية "ملائمة" ولحظة انتخابية حاسمة لديها يفيد منها الصقور المتبارزون في المعركة الانتخابية التي بدأ انضاجها على محرقة غزة. بذلك يغدو عقيما توجيه ردود الفعل نحو نقطة واحدة في المشهد، تمثلها سياسات "حماس" التي يحملها كثر وزر تقديم الذرائع الى اسرائيل. فالقوى اللبنانية تدرك ايضا اكثر من سواها، عقم الغرق في مسألة غير قابلة للشفاء ما دام الفلسطينيون يدفعون كاللبنانيين اثمان تورطهم في حروب المحاور الاقليمية والعربية ان على مذبح مصالح هذه المحاور وان على مذبح الجبهتين الوحيدتين المفتوحتين في الصراع العربي – الاسرائيلي. وازاء هذا العقم الموصوف، حسنا فعلت القوى اللبنانية في اثبات نضج يعزى في الغالب الى تجربة حرب تموز، وزاده نضجا مشهد المحرقة الاسرائيلية في غزة. فهذا النمط الاجرامي المريع يستأهل تركيزا صرفا الآن على الاقل على طبيعة العدوانية الاسرائيلية التي تعكس اجماعا لدى الصقور المتبارزين على الانتخابات فوق برك الدماء. مثل هذه الحقيقة وحدها تكفي لصوغ مشهد اجماع لبناني يبرز اخلاقيات لبنانية عز وجودها حتى في مسائل مصيرية تعني اللبنانيين انفسهم.
ثم ان رياح التفسخ اللبناني غالبا ما كانت محمولة بالاستباحات الدولية والاقليمية المتنوعة او بالاستباحات الاسرائيلية بذرائع ومن دون ذرائع. فكيف حين تطلق محرقة غزة نذير نمط محدث جديد من المجازر موضوع برسم العالم الاخرس الذي لا يقوى في افضل الاحوال الا على قرار وقف نار مجهل الفاعل او ادانة ما يسمى "الافراط في استعمال القوة"، وهو المفهوم المرادف لديبلوماسية "مهذبة" امام مذبحة بهذا الهول؟