قراءة في مأساة غزة
المحامي جورج ابو صعب
لا يختلف عربيان اصيلان على ادانة واستنكار وشجب ما ترتكبه اسرائيل اليوم في قطاع غزة من مجازر جماعية فاقت بنوعيتها وكمها ما طالما تباكى عليه الشعب اليهودي من هولوكوست ايام ظلم هتلر.
فما يحصل في غزة بحق الابرياء والعزل والاطفال امر مرفوض انسانيا ودينيا وقانونيا وشرعيا وشرعا، وظاهرة لن تخدم اسرائيل ولا مصالحها في الشرق لان لكل فعل ردة فعل. والعنف لم يكن يوما اداة او وسيلة فض للنزاعات الدولية فضلا عن كونه يشكل خرقا فاضحا للقانون الدولي والشرائع العالمية المتفق عليها وفي مقدمتها شرعة الامم المتحدة وشرعة حقوق الانسان.
فمن متابعتنا اليومية والدقيقة لاحداث قطاع غزة وبتحليل المواقف المفرزة فلسطينيا وعربيا واقليميا ودوليا وبعيدا عن المسايرة والتجميل في ساعة لم يعد مسموحا لاحد ان لا ينطق الا بكلمة الحق والحقيقة مهما كانت قاسية ومؤلمة نرى ضرورة توضيح ما يلي:
اولا : ان ما يحصل اليوم في غزة مسؤولية فلسطينية مشتركة يتحمل وزرها كل من السلطة الفلسطينية وحركة حماس بالتضامن والتكافل تجاه شعبهما: فالانقسام الفلسطيني الذي تطور الى انقلاب حماسي في قطاع غزة ضد السلطة الفلسطينية كان الخطأ الاستراتيجي لا بل المحظور الذي وقع فيه الفلسطينيون.
فحماس أخطأت خطأ مميتا بانقلابها العسكري والسياسي على السلطة والسلطة أخطأت خطأ فادحا في السير في مخطط الانقسام مستعينة ومستمعة للخارج القريب والبعيد رافعة يدها عن معالجة مسألة داخلية لتسمح للخارج بالتدخل وبالتالي بمصادرة القرار الحر الفلسطيني لحساب لعبة وحسابات المصالح العربية المتناقضة والاقليمية المتنافرة – فكانت النتيجة هذا السقوط المريع للشعب الفلسطيني ولحماس كما … للسلطة.
ثانيا: ان ما يحصل اليوم في غزة مسؤولية عربية – عربية مشتركة: فالعرب ارتكبوا الخطيئة المميتة بحق قضيتهم المركزية عندما بدأوا يتفردون باتفاقات سلام مع اسرائيل واراد كل طرف الباس ثوب ما يلائم مصالحه على القضية العربية الاولى – فانعكس ذلك على قدسية القضية بنفسها ووصلت الانعكاسات الى حد بات فيه لكل دولة عربية تفسيرها الخاص للحل وللتسوية في ضوء مصلحتها وليس المصلحة العربية الجامعة – رغم المبادرة العربية للسلام في بيروت والتي ولدت ميتة لان اسرائيل رفضتها وهي لم تعد تؤمن بقدرة العرب على صنع سلام وهم أعجز من اي يحموا شعوبهم ولا سيما الشعب الفلسطيني من الانقسام والتفتت ومن التطرف والمتطرفين.
فمن الطبيعي ان يصل الوضع الى ما هو عليه اليوم و… أكثر
ثالثا: ان ما يحصل اليوم في غزة صراع مقنّع بين الانظمة العربية المدعومة من اميركا من جهة وعلى رأسها مصر والمملكة العربية السعودية وايران من جهة ثانية – نعم ان ما يحصل نتاج حرب باردة من نوع جديد بين دولة اقليمية عقائدية دينية اسلامية تريد التمدد حتى الحدود مع فلسطين المحتلة لتهدد وجود الكيان الصهيوني من خلال منظمات كمثل حماس وحزب الله – وبين انظمة عربية تعتمد العصبية العربية وبعضها العصبية المذهبية – لاقناع رأيها العام بالخطر الفارسي.
رابعا: من متابعة المواقف المعلنة الى الان نستطيع ان نسجل ثلاثة امور اساسية لا بل مفارقات قد يبنى عليها في المستقبل لتحديد المواقف والاستراتيجيات النهائية:
1- اول ما نلاحظه ان المواقف الخلافية بين العرب قد طفت على السطح:
فاصبحت مصر في دائرة الاتهام من طرف الفلسطينيين والشعوب العربية وابرزت التصاريح العلنية المتبادلة بين المصريين والحماسيين عمق الخلاف بين الطرفين – بالاضافة الى الخلاف بين بعض الدول العربية والخليجية بدليل تمنع السعودية الى الان من الاستجابة لاقتراح قطري وسوري لعقد قمة عربية عاجلة وارجاء المواعيد العربية ( اجتماعات جامعة الدول العربية ) علنا الى ايام بحجج مواعيد وارتباطات وكأن موضوع غزة يحتمل الانتظار… وصولا الى الخلاف الفلسطيني المستحكم والمتفاقم بدليل اخير متمثل برفض حماس الانضمام الى اجتماع الفصائل الفلسطينية التي دعى اليه الرئيس ابو مازن والاتهامات المتبادلة الى حد التخوين المتبادل بين الطرفين عن مسؤولية حول ما يجري اليوم في القطاع وعن اهدار الدم الفلسطيني.
2- ثاني ما نلاحظه هو الانكفاء السياسي السوري عما يجري اقله الانكفاء العلني وعدم اقدام سوريا على اتخاذ مواقف علنية فاعلة ضد اسرائيل – فهل تكون دمشق قد دخلت فعلا في بازار التفاوض والتسليم بدم الفلسطينيين الحماسيين لحساب مصالح النظام السوري التفاوضية؟
3- ثالث ما نلاحظه هو عدم وصول ردود الفعل العربية والاقليمية ( تركيا ) الى نقطة اللارجوع مع اسرائيل وكأن عنصر المفاجأة الاسرائيلية في الغزو انعكس حتى على الوضع الديبلوماسي العربي والاقليمي – فعلى الرغم من انفجار الشارع العربي والاقليمي ( ايران وتركيا ) الا ان الحكومات لا تزال تحتفظ بمعظم اوراقها ونرى نوعا من الحذر والدقة والتأني في معالجات الازمة – فكأن ثمة مايسترو ما يوزع الادوار ويحدد معدلاتها بانتظار تعبئة الفراغ في البيت الابيض وملف التفاوض السوري الاسرائيلي رغم ما قيل عن توقفه وعن اعتذار تركيا عن متابعة الوساطة بين سوريا واسرائيل – وصولا الى فتح باب الحوار الدولي مع ايران وفق تصور الرئيس اوباما للمنطقة.
لكن بالانتظار يبقى الوضع اللبناني على المحك وقد اعتاد اللبنانيون على نمط سلبي وتاريخي من التفاعل مع القضايا المحيطة والتي في غالب الاحيان جاءت على حساب لبنان الدولة والوطن والاستقلال والسيادة ووحدته.
فتصاريح السيد حسن نصرالله ورغم صوابية وصدق منطلقاتها الا انها لا تحمل على الاطمئنان الى بقاء لبنان بعيدا عن انعكاسات احداث غزة – خاصة اذا لم تتوصل الاتصالات والمفاوضات الجارية عربيا واقليميا ودوليا الى لجم الالة الحربية الاسرائيلية المدمرة واصبحت حماس في وضع ميداني صعب وخطير على وجودها واستمرارها – فعندها يصبح فتح جبهة جديدة على اسرائيل واردا وبالتحديد الجبهة اللبنانية. وبالامس اكتشف الجيش اللبناني في منطقة جنوبية حدودية قواعد صواريخ مجهولة فككها وكان لنا موقف منها في مقالتنا السابقة.
من هنا الطلب من فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ودولة رئيس مجلس الوزراء الاستاذ فؤاد السنيورة ودولة الرئيس نبيه بري العمل السريع والعاجل على تكوين تصور استراتيجية وطنية يقي لبنان سقوطه مجددا في التجاذبات الخارجية والاقليمية ولعبة المحاور والانقاسامات الداخلية والاقليمية التي سيدفع لبنان وحده ثمنها – قبل ان تصل العاصفة الى جنوبنا وقد اعتدنا على انه في مقابل كل وعكة صحية اقليمية تتفجر الانفلونزا في لبنان خاصة في ظل الوضع الاقليمي الحالي المتوتر.