#adsense

السياسة اللبنانية الحكيمة: ما قاله سليمان من الجنوب

حجم الخط

خُطب نصرالله "تقول" إن دعم غزة يمرّ بـ"فتح" لبنان وبإسقاط "النظام" و"المشروع" العربيين والنظام الدولي..دفعةً واحدة!
السياسة اللبنانية الحكيمة: ما قاله سليمان من الجنوب

تزامناً مع إندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة قبل ظهر السبت الماضي، وبعد يومين من إكتشاف الجيش ثمانية صواريخ في الناقورة معدة للإطلاق باتجاه إسرائيل، كان رئيس الجمهورية ميشال سليمان يجول في الجنوب مصطحباً معه وزير الدفاع وقائد الجيش. وبما أن هذه الجولة تمّت في "توقيت سياسي" بين حدثين "سياسيين"، فإن المواقف التي أطلقها إنما هي مواقف من هذين الحدثين من ناحية وعناوين للتعاطي اللبناني الرسمي مع "المرحلة" التي يؤشر إليها الحدثان من ناحية ثانية.

سليمان في الجنوب: القرار 1701

من الجنوب، أكد الرئيس سليمان رفضه أن يجعل أحدٌ من لبنان "ساحة صراع". و"أمل" من كل من يحترم إستقلال لبنان وسيادته ألا يجعل من الجنوب "منصّة لإطلاق الصواريخ". ورأى أن من واجب من يحترم سيادة لبنان أن يحترم "التزام" البلد بالقرارات الدولية والقرار 1701 تحديداً. وأعلن أن الدولة هي المسؤولة عن الدفاع عن حقوق لبنان.
من الجنوب إذاً، حدّد سليمان "سياسة" لبنان ـ الدولة في المرحلة الراهنة ـ المقبلة، وبإزاء التطورات في غزة وعلى الصعيد الإقليمي، مستنداً الى وفاق لبناني "مفترض" حول العناوين التي طرحها. أي، من الجنوب حدّد رئيس الجمهورية سياسة الدولة لحماية لبنان وتحصينه.
في الجنوب، لم يكن الرئيس سليمان يرد على "حزب الله" وخطابه السياسي. فلا هو إنطلق من فرضية أن "حزب الله" هو من أعد الصواريخ الثمانية. ولم يكن نفي الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله للمسؤولية عن هذه الصواريخ قد صدر. ولم يكن السيد نصرالله قد تحدث أصلاً عن رؤيته الى المرحلة الفلسطينية ـ العربية ـ الإقليمية، وثمة من يؤكد أن تحرك سليمان جنوباً كان مقرراً في الاصل قبل الصواريخ.

.. أي رفض جعل لبنان "جبهة عسكرية"

لذلك، فإن ما أعلنه الرئيس بقدر ما هو بعيد عن المساجلة مع فريق سياسي معيّن، يعني مجموعة من الخطوط السياسية العملية.
إنه يعني رفض دخول لبنان عسكرياً، أي كجبهة عسكرية، نصرة لقطاع غزة في المواجهة الدائرة مع إسرائيل الآن.
ولأن ما قاله سليمان يعني عدم السماح بـ"إستدراج" لبنان أو إنزلاقه نحو أن يكون جبهة عسكرية، فإن الخيار الذي يعلنه رئيس الجمهورية إنما هو خيار الدعم السياسي والإنساني لفلسطين. أي انه يترجم بدقة معادلة "التحييد العسكري" للبنان من جهة و"إنحيازه" العربي في الوقت نفسه من جهة أخرى.

الحكومة والدعم الإنساني

لا شك أن الدولة في لبنان إستنفرت خلال الأيام الأربعة الماضية منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة، على الصعيد الإنساني. وتمكنت الحكومة من تحقيق ما لم يتحقق على أرض فلسطين لجهة جمع كل الفصائل الفلسطينية في السرايا، وتشكيل خلية أزمة، لبنانية ـ فلسطينية مشتركة، وصولاً الى قرار مجلس الوزراء أمس توفير المساعدات للقطاع وأهله.
الدعم السياسي لغزة: العمل العربي المشترك
أما على الصعيد السياسي، فمن الطبيعي أن يكون لبنان رئيساً وحكومة، واعياً لحقيقة أن الدعم السياسي لا يمكن أن يكون إلا من ضمن مجهود عربي عام، أي من ضمن عمل عربي مشترك.. أي في إطار "النظام العربي" الذي تنتسب "دولة" لبنان إليه. ومن الواضح سلفاً ان "النظام العربي" المعني بدعم الفلسطينيين والمطالَب بهذا الدعم بدءاً بتوقيف العدوان الإسرائيلي، معني في الوقت نفسه بإستعادة الموضوع الفلسطيني الى "النظام العربي" بما هو "نظام المصلحة والشرعية العربيتين"، كي يستطيع التحرك باسم شرعية القضية الفلسطينية وباسم التضامن العربي معها في آن.

القضية الفلسطينية تعريفاً

صحيحٌ ان الشطر الأهم والأساس من شرعية "النظام العربي" مستمدّ من "علاقته" بالقضية الفلسطينية وبالنضال الفلسطيني. بيد أن الصحيح أيضاً هو أن أحداً لا يمكنه أن يحوّل القضية الفلسطينية من كونها جوهر الصراع العربي ـ الإسرائيلي الى عنوان لإسقاط "النظام العربي" وتفجيره.. وأن يطلب من هذا "النظام العربي" مساندة! فعندما يحصل ذلك، يصحّ القول إن القضية الفلسطينية لم تعد كذلك، بل صارت شيئاً آخر خاطئاً. وعندما يحصل ذلك، تسقط القضية الفلسطينية من ذاتها، أي من داخلها نفسه، ذلك أن قضية فلسطين بالتعريف هي قضية وطنية للشعب الفلسطيني أولاً، لكنها قضية عربية ثانياً. وبمقدار ما هو صحيح ومثبت ان العرب لا يحق لهم باسم "عروبة القضية" التصرّف بها أو إخضاع الحركة الوطنية للشعب الفلسطيني كما سعى نظام البعث السوري بإستمرار، فالصحيح والمثبت أيضاً أن من يجعل من القضية إمتداداً لمصالح غير المصالح الوطنية الفلسطينية، إنما يُسقط القضية ويُسقط نفسه.
إذاً، من حيث "المبدأ"، يفترض أن الرئيس سليمان والحكومة حدّدا السياسة اللبنانية الرسمية ودوائرها ومرجيعاتها.

نصرالله يعطي الدولة "علماً"!

بين أن السيد حسن نصرالله قال مع الأسف قولاً آخر.
في خطابه مساء الأحد، لفت نصرالله الى أن ثمة أجراءات إسرائيلية على الحدود مع لبنان، تنطوي على إحتمالين. فإما أن تكون إجراءات "وقائية" أو أن تكون إجراءات إستعداد لعدوان على لبنان. وهنا أعلن أنه أعطى تعليماته الى "المقاومة" بالإستعداد لمواجهة العدوان "المحتمل". وفي فقرة واحدة من خطابه قدّم نصرالله "التحليل" وإتخذ "القرار" وأعطى الدولة "علماً".. فلا يقولن أحد إنه لم يكن على علم!

..ويحوّل لبنان "مركزاً" لإسقاط "النظام العربي"

غير أن الأخطر في خطابه مساء الأحد، انه دعا عملياً وسياسياً الى إسقاط "النظام العربي" من المدخل المصري. ودعا الى ما سمّاه "إنتفاضات" في العالمين العربي والإسلامي.
لم يكن ممكناً تفسير ما أعلنه نصرالله في هذا المجال إلا من زاوية كونه حرباً على "النظام العربي" و"المشروع العربي" من ناحية، ومن زاوية كونه "صدى" لموقف إيراني تصعيدي وهذا ما قرأته مصر وقيادتها في كلام نصرالله، من ناحية ثانية، ومن زاوية كونه دفعاً الى صراع عربي ـ عربي بأفق إيراني من ناحية ثالثة.
على ان ثمة زاوية أشد خطورة بالنسبة الى لبنان. فنصرالله يجعل من نفسه "حاكماً جزائياً منفرداً" يصدر أحكاماً ويدعو "الشعوب" الى تنفيذها، لكنه يجعل من لبنان "مركزاً سياسياً" لعملية إسقاط "النظام العربي".

وبهذه المعاني جميعاً، لا يترك نصرالله أمراً لا علاقة للبنان به أو لا مصلحة له فيه أو لا قدرة له على إحتماله، إلا ويحمّله إياه. وهو حتى عندما خفف النبرة قليلاً في خطابه يوم الاثنين، بقي في الإطار نفسه. بل قام بتحديد ما ينبغي أن يكون برنامج الرئيس ومنهج الحكومة وخطة الجيش.
فهل حقيقي أن دعم غزة ضد العدوان الإسرائيلي يتطلب تعريض لبنان وإسقاط "النظام العربي" وإغراق الدول العربية في الفوضى.. وإسقاط الإمبريالية دفعة واحدة؟! وهل يكون لدعم غزة هذا "البرنامج المفتوح"؟! والأهم: هل من يطرح ذلك كله يطرح دعم غزة أم شيئاً آخر.. ولمصلحة من؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل