#adsense

اليوم الأخيـــر

حجم الخط

اليوم الأخيـــر

الأيام الخمسة الأخيرة من العام كانت بثقل عام كامل، طوفان من الدماء، فيها من مرارة وقسوة الموت العبثي ما يصدمك وأنت تستمع لأب فقد بناته الخمس في لحظة واحدة، والموت الرحيم مرّ على أرواحهن وهن نيام فعبرن من النوم إلى النوم، والأب المذهول يعصر ما تبقى من قدرته على شيء من طاقته على الاحتمال وهو يخاطب نفسه مذهولاً عن الناس والحياة والواقع، عن البنات ما ذنبهنّ؟ "البنات ..نايمات.. لو مش نايمات كنا قلنا".. وكأن الاستيقاظ في ليل غزة صار ذنباً يستحق الموت!!!!

هل هناك أشد وطأة على نفس إنسان أن يذهل لذهول أبٍ فقد دفعة واحدة بناته الخمسة وقد وأدهن ركام المسجد المجاور، بات جوار المساجد مرعباً هذه الأيام.. وأنهار الدم لا تتوقف عن جرف الأشقاء والشقيقات!! كأنه موسم حصاد الأرواح، كأن العام مستعجل يلملم البشر ويفر بهم راحلاً ليسلم عاماً جديداً قد يكون أشد حمقاً وعنفاً وموتاً واشتعالاً!!

هل هناك أشد وطأة من دماء بنات غزّة الفقيرات على ذهنك كإنسان يحاول أن يقرأ شيئاً ما في وسط هذا الجنون العاصف، فيطلع له من بين الدماء والأنقاض تصريحات "أحمدي نجاد" المستفيد الأول من نهر الدماء المتدفق مع أوهام إعادة بناء إمبراطورية كسرى وإيوانه وريّها بالدماء العربية مهما كانت جنسيتها. ألمهم أن تكون من العرق العربي الرخيص، لأن "الآريين" من أيام كسرى إلى أيام "هتلر" يعتقدون أنهم الدم الأسمى من كل الدماء..

تجارة الدماء رابحة هذا العام، سواء نزفت على الأرض أو عبّئت في أكياس تبرعاً لجرحى غزة وظلت الطرق موصدة تحول دون تدفقها في عروقهم حتى تعود إليها الحياة.. وأي حياة في ظل انقسام فلسطيني مروّع أباح هدر الدم الفلسطيني على مدى الأعوام ومدارها..

2- صلاة لليوم الأخير..

ربي.. شبعت الأرض دماء وعنفاً وحقداً وخبثاً ولئاماً

ربي.. شبع لبنان تجارة واحتلالاً وخيانات وبيع رخيص لماضيه وحاضره، لرهانات دائمة على استعادته إلى قبضة الاحتلالات والوصايات، شبع لبنان عملاء يا الله، وشبع لبنان كذب الكاذبين ونفاق المنافقين ونزق المتاجرين بدماء شعبه..

ربي.. شبعت فلسطين اغتصابات وانتهاكات مروّعة، وشبعت وتقززت من انقسام أبنائها القديم، قدم الثورة ودعوات التحرير، شبع الشعب الفلسطيني تمزقاً بين المنظمات وتناحراً بين الجبهات واستلاباً بين السلطات الشرعية واللاشرعية، وشبعت فلسطين من تجارة المتاجرين بها، منذ نظريات العروبة، والجيوش العربية، وهزائم الـ 67، واغتيالات أبو نضال، وعملياته المافياويّة، وانشقاقات "أبو موسى الأشعري" في الشام. شبع الفلسطينيون عيش أنظمة كثيرة "ترخنة" على ظهر قضيتهم..

يا ربّ.. إنسان من عبادك أنا أمد يداً، وأخرى أمسك بها قلبي.. خائفة أنا يا رب من كثرة الدماء والقتلى وقلة الدين والإيمان وكثرة اللحى ..

يا ربّ.. خائفة أنا،مماذا لا أعرف، إلا أن قلبي مقبوض من العام المقبل،من الأعوام المقبلة، ومن أن لا تنظرنا بعين رحمتك يا رحمن لشدة ما نبطش ببعضنا البعض ويبطش بنا الآخرون..

يا رحمن يا رحيم.. خائفة أنا منا، لشدة ما نحن جبارون بطاشون بغير رحمة ورأفة.. خائفة أنا يا ربّ من اليوم الأخير، ومن العام الجديد..

المصدر:
الشرق

خبر عاجل