الغلوّ ما عاد يغوي.. فليعلم المعتدلون ذلك
من أجل وضع غزّة في عهدة عربيّة
يُمتحَنُ في غزّة العرب جميعهم، أهل الإعتدال كما أهل الغلوّ. إنّما الإمتحان هو الذي يختلف.
إمتحان الإعتدال
أهل الإعتدال ألقوا الحجّة على إسرائيل من خلال مبادرة السلام العربيّة. الإمتحان الذي أمامهم هو الثبات على مبادرة السلام العربيّة. هو تجنيد كل الطاقات وكل العلاقات وكل الأفكار من أجل وقف الحملة التي تجرّدها آلة الحرب الإسرائيليّة على الشعب الفلسطينيّ وإيجاد ضمانات حقيقيّة لعدم تكرارها، ما لا يكون بمعزل عن إعادة توحيد الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة على قاعدة لجم الإختراق الإيراني المشرذم لها، والدافع بها إلى الإنحراف عن الثوابت الإستقلاليّة التاريخيّة التي جسّدها الرئيس الراحل ياسر عرفات، وفي طليعتها ثابتة القرار الوطنيّ الفلسطينيّ المستقلّ والحريص على البقاء في كنف الأسرة العربيّة.
ينبغي أن يطمئن أهل الإعتدال إلى الشارع العربيّ. ليس صحيحاً أبداً أن الشارع العربيّ، لمّا كان يتقطّع ألماً على مصاب أهل غزّة، فإنّه سيتبع أي مزايدة لا يقدّم صاحبها شيئاً غير التعريض بسواه، والتدخّل في ما لا يفهم فيه، وفي ما لا يعنيه، وفي ما لا تأثير له عليه، وفي ما يرتدّ سلباً بوجهه.
يوم تسرّعت كل الدول العربيّة لتخريب علاقتها مع مصر بعد تمكّن الأخيرة من إسترجاع أرضها بالسلام المبنيّ على نتائج حرب أكتوبر، برهن الشعب المصريّ، الأمّة المصريّة، عن وعي سياسي وحضاريّ غير مسبوق، ولم يأبه للمزايدات، وكانت فرحته بعودة أرضه حتى آخر شبر بعد إسترداد طابا بموجب التحكيم الدوليّ. سنوات معدودات يومها وصارت عواصم "الرّفض" تخطب ودّ مصر.
في الوقت نفسه فإن هذا الشعب المصريّ الذكيّ الذي يفتئت البعض على تاريخه المشرق في النضال من أجل فلسطين ظلّ يرفض التطبيع "الأهليّ" مع إسرائيل والإسرائيليين، إلى حين تعاد الحقوق الأساسيّة لأصحابها في المناطق الفلسطينيّة.
وما ينسحب على الشارع المصريّ منذ الثمانينيات ينطبق أيضاً وأيضاً على الشارع التونسيّ في الستينيات والسبعينيّات. يوم كان الديماغوجيون القومجيون يتسابقون للعن الحبيب بورقيبة بعد كلماته الثاقبة في أريحا، وقفت معه الأمّة التونسيّة ولم تؤخذ كثيراً بالشعارات.
ليس صحيحاً أن الشارع العربيّ يتبع دائماً الحركات الشعبوية. عندما اندلعت الثورة الإيرانيّة راهن عليها مثقفون نخبويون، أما الشارع العربيّ فإنّه عرف بسرعة أنّ محاولات الهيمنة على الخليج ونفطه التي كان يمثّلها الشاه محمد رضا بهلوي صارت مجهزة بعد الثورة بمحرّك إيديولوجي "دعويّ"، إنما لبلوغ الهدف نفسه. وعليه، وقف الشارع العربيّ من المحيط إلى الخليج مع العراق ضد إيران، ليس طبعاً لأنه يريد تحرير الأهواز المحتلّة، وإنما لأنه كان يعي تماماً أبعاد الهيمنة الإيرانيّة إن حلّت.
وهذا ينطبق أيضاً على حال سوريا: شارعها يجيش بالمشاعر القوميّة، وتضاف إليها "التربية البعثية"، لكنّ ذلك لا يمنع هذا الشارع من "استيعاب" هدوء وسكينة الجبهة في الجولان، وقلّما طالب هذا الشارع بفتح هذه الجبهة.
لا يعني ذلك أنّ الشارع العربيّ قد حسب كل خياراته بشكل سياسي صحيح وغير مأخوذ بالعاطفة وحدها. أخطأ هذا الشارع مثلاً حين صدّق على إحتلال نظام صدّام حسين للكويت، وهو إحتلال بدّد الإنجاز المحقّق في حرب الخليج الأولى ومهّد لتبديد العراق جملة.
كما يحب هذا الشارع ما يثلج صدره بين الفينة والفينة، ولو على سبيل المشهد الرمزيّ أو الباعث على إطلاق عنان المخيّلة والحكايات الشعبيّة. إلا أنّ هذا الشارع، وبإستثناء موقفه غداة إحتلال الكويت، ظلّ على العموم يحسبها "صحّ". المهمّ ألا "يخاف" المعتدلون والليبراليّون بعد اليوم من الشارع العربيّ.
إمتحان الغلوّ
معسكر "الغلوّ" هو الذي يقدّم الحجّة لإسرائيل، وبسخاء. يصادق على زعمها بأن ما تتعرّض له هو مشروع يستهدف تقويضها. فهو يظلّ يردّد بأنّ محرقة اليهود الثانية صبر ساعة، دونما إفصاح عن الكيفيّة والكلفة والمدّة، وفي ما من شأنه الإنعزال عن الإجماع الغربيّ الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية في ما عنى الحل القوميّ للمسألة اليهوديّة كضمانة لعدم تكرار المحرقة.
ما هو الإمتحان الذي يجتازه الغلاة اليوم؟ إنّهم بكل بساطة يعتمدون معيارين للإنتصار، وهم يخلطون بينهما على مدار الساعة، ونحن نشهد الآن تبعات ذلك.
المعيار الأوّل للإنتصار، بحسب الغلاة، أنّ من يستطيع الإحتفال بالنصر بعيد إنقضاء أي عدوان هو المنتصر، ولا تهمّ لا الكلفة، ولا الشروط التي وضعت حدّاً للعدوان، ولا الشقاق الأهليّ المتولّد بعده. إنّها إذاً حالة إنتصاريّة دائمة متماهية في مظلوميّة مطلقة وفي بكائية دائمة. وعلى هذا النحو تسمّى كل الإنفعالات إنتصارات.
وإلى جانب هذه الإنتصاريّة الدائمة، ثمّة معيار ثان، هو الإنتصار المنتظر، والمتجلّي يوماً بيوم. إنّه وبكل بساطة تدمير دولة إسرائيل وإنزال المحرقة الثانية باليهود (وإنكار المحرقة الأولى في معشر الممانعين والغلاة يكاد يتماهى مع نقد ذاتي لها لعدم إكتمالها).
على قاعدة هذين المعيارين يتلاقى الغلاة والممانعون، موضوعياً، مع آلة الحرب الإسرائيليّة. هذه الآلة تتعامل مع حياة الكائن الفلسطينيّ على أنّها أمر ثانوي يمكن حذفه، وهم أيضاً يتعاملون مع حياة هذا الكائن على أنّها وقود لمشروع نووي مهدويّ من شأنه تحويل الإنتصاريّة اليوميّة المعاشة إلى إنتصار نهائي يدمّر إسرائيل (وهو ما يفترض أن تكون القنبلة النووية الإيرانية المنتظرة جد ذكيّة لتجنّب المدنيين الفلسطينييّن و"الركّ" على المستوطنين بشكل رئيسيّ).
إمتحان الإنقاذ
ما بين الإمتحانين يطلب أهل غزّة الخلاص من الكابوس، ووضع حدّ لهذا الشرّ المحض. هذا لا يكون بعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل بدء العدوان. إنما يكون بأن يتحمّل العرب، جميع العرب، المسؤولية التاريخيّة، فتعقد قمّة عربيّة لا للسجال المتبادل، ولا لتكريس هيمنة إيران على المشرق العربيّ، وإنّما لتشكيل قوّة عربيّة مشتركة تضع غزّة في العهدة العربيّة، ويفصل بينها وبين الجيش الإسرائيليّ مراقبون دوليّون. إنّ هذه الخطوة لو قدّر لها أن تّتم، ستمثّل نهاية العذابات لشعب غزّة، وستعيد بناء ما تهدّم، وتضمن سلاماً دائماً في القطاع وتنمية شاملة، والأهم من ذلك إعادة وصل للقطاع مع محيطه العربيّ، وإحياء تقاليد التعدّدية السياسيّة داخل القطاع، وبالتالي وضع حدّ للنزوع الإنفصاليّ الإنعزاليّ الذي أبعد القطاع عن الضفّة.
الجيوش النظاميّة هي القادرة على إنقاذ غزّة. ليس بالحرب طبعاً، وإنّما بالدخول إلى غزّة في ظلّ قرار دوليّ يشجّع على ذلك. ويمكن أن تتسع هذه القوة العربيّة المشتركة لكافة البلدان العربية، ومن المؤكّد أن أهل غزّة سيستقبلون هذه القوّة استقبال المخلّص.
هكذا فقط يتحمّل العرب مسؤولياتهم تجاه غزّة. فهل يجتاز أهل الإعتدال الإمتحان بهذا الإتجاه؟ وهل ثمّة من غلاة بإمكانهم أن يعترضوا مسارهم إذا قرّر الإعتدال ذلك؟!