#adsense

أبعاد زيارة الدولة الى الجنوب

حجم الخط

أبعاد زيارة الدولة الى الجنوب

أبعاد زيارة الدولة الى الجنوب في غمرة احداث غزة المأسوية، وما تركته من اهتمام ومتابعة ورصد في شكل يومي، ليس على ‏الصعيد العربي والدولي فحسب، بل على الصعيد اللبناني في الدرجة الاولى، نسبة الى تاريخ ‏لبنان الحافل بأكثر من حرب واشتباك مع دولة اسرائيل، خصوصا وان الحكومة اللبنانية ما ‏زالت حتى اليوم، بالتعاون مع عدد من الدول العربية والغربية المانحة، تحاول ازالة آثار ‏حرب تموز 2006، اضافة الى هشاشة الوضع الداخلي بسبب استمرار الخلاف العميق بين اللبنانيين ‏حول الوسيلة الفضلى الواجب اتباعها لحماية لبنان مستقبلاً، والتي يراها كل فريق في شكل ‏مختلف عن الاخر.

وجاءت احداث غزّة لتظهّر هذا الاختلاف، وقد تدفع به الى التأزّم مع استمرار ‏المعارك هناك وبداية الفرز العربي حول استراتيجية مواجهة اسرائيل، بما يشبه الفرز ‏اللبناني القائم.

في غمرة كل هذه الاحداث والمواقف المتناقضة، لم تأخذ زيارة رئيس ‏الجمهورية العماد ميشال سليمان الى الجنوب، يرافقه وزير الدفاع الياس المر وقائد الجيش ‏العماد جان قهوجي، الانتباه الكافي لخلفياتها، كونها أتت مباشرة بعد اكتشاف صواريخ ‏الكاتيوشا الثمانية بالقرب من الناقورة، عشيّة اندلاع الاشتباك في غزّة، وبدء التخوّف من ‏امتدادها الى الاراضي اللبنانية، خصوصا بعد التهديدات الاسرائيلية المتكررة بقصف البنى ‏التحتية اللبنانية ومراكز الدولة ومؤسساتها، وتصاعد الكلام لبنانياً ودولياً، بأن ‏القوات الدولية في الجنوب، والتي لا تعمل تحت الفصل السابع، الذي يعطيها الحق باستعمال ‏السلاح لتنفيذ مضمون القرار 1701، قد تجد نفسها مضطرة الى مغادرة لبنان اذا تهددت سلامة ‏الجنود الدوليين.

‏ ان هذه الزيارة، التي تعكس من جهة، قلق رئيس الجمهورية وقيادة الجيش، من قيام تنظيمات ‏او جهات مرتبطة بمراكز قرار خارجية، بعمل مقصود لتوريط لبنان في مواجهة مع اسرائيل، ‏وفي ظروف صعبة للغاية، اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، لكنها في المقابل تحمل نوعاً من ‏الطمأنينة الى ابناء الجنوب وعناصر الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية، بأن الدولة ‏اللبنانية واعية لمسؤولياتها، وحريصة على مسك الامن في الجنوب وفي كل لبنان، انطلاقاً من ‏حرصها على سلامة المدنيين والعسكريين، وعلى احترام القرار رقم 1701 الذي ساعد على نشر ‏السلام والاستقرار في لبنان، وساهم بطريقة غير مباشرة بانتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل ‏حكومة تضم جميع الاطراف، ما افسح في المجال لقيام مجلس النواب بواجباته مجدداً، ولاستعادة ‏مؤسسات الدولة جزءاً مهماً من حيويتها وفاعليتها.

‏ ‏* * * * *‏
يبقى في الحساب، ان الرئيس سليمان اراد في زيارته الجنوبية، ان يوجّه ايضاً رسالة الى ‏القيادات السياسية والروحية، بأن لبنان لن يبقى بمنأى عمّا يحدث ويدور في المنطقة من ‏سباق بين التفجير وبين التسويات، الا اذا توفّر الحد الأدنى من التهدئة بين مختلف الافرقاء، ‏والتزم الجميع بهدنة المعارك الكلامية ذات الاعيرة الكبيرة من الاتهامات والشتائم والتخوين، ‏التي ما زال الجميع يذكر انها كانت السبب وراء تدهور الاوضاع الامنية الداخلية بعد حرب ‏تموز، ودخول البلد في نفق من العنف، لم يخرج منه الا برعاية اتفاق الدوحة، ولذلك فان ‏مصلحة الجميع اليوم الشدّ بالنواجز للمحافظة على القرار 1701 الذي لا يملك لبنان بديلاً ‏عنه لتمرير هذه المرحلة الصعبة والمعقّدة عالمياً واقليمياً وعربياً ولبنانياً، التي قد ‏تنتهي بتسويات يدفع ثمنها من لا يقرأها جيداً، او قد تنتهي مثل يوم الحشر، وتتحول ‏منطقتنا العربية، وجزء من المنطقة المحيطة الى ساحة حروب ومجازر وتغيير انظمة وبقاء دول ‏وزوال اخرى في شكل او آخر.

‏ ان معركة غزّة، ليست كما يبدو للبعض انها محصورة في الزمان والمكان، انها جزء من كل ما ‏تتمخّض به منطقة الشرق الاوسط، وربما أبعد من الشرق الاوسط، وهي في صلب الصراع النووي ‏والنفطي وصراع الحضارات والاديان، والصراع على رسم الخرائط والحدود.

واذا كان اهتمام ‏العالم اليوم موجّها صوب غزة، فلأنه يعرف تماماً ان جزءاً من مستقبله مرتبط بما ستؤول اليه ‏هذه الحرب «الكونية» التي يشارك فيها الجميع في وجه من الوجوه، ولذلك فان الحروب الصغيرة ‏التي يخشى ان تدور في الداخل اللبناني، لن تكون نتيجتها سوى المزيد من الخسائر على ‏الصعيدين الوطني والانساني، وربما ادّت الى خسارة الوطن لمصلحة شعب آخر.

‏ ‏* * * * *‏
ما عقل انسان يوماً وندم، والانسان العاقل هو الانسان الذي يربح ولو خسر موقفا، واذكر ‏في هذا المجال ان الامام الخميني، مفجّر الثورة الاسلامية في ايران، عندما ادرك في فترة دقيقة ‏اثناء الحرب مع العراق، ان الاستمرار في الحرب، غير المتكافئة يومها، سيوقع خسائر كبيرة في ‏الناس وفي بنية الدولة، قد لا يمكن تعويضها، فوافق على وقف للنار وهدنة مع العراق حتى ‏ولو كان قراره كمن «يتجرّع السمّ».

‏ من هذا المنطلق، يصبح الغضب، وسوء التقدير، والرأس الحامي، عدو الانسان وعدو مصلحته، ‏وبالتالي عدو وطنه، وعندها يفوت وقت التعويض والندم.

المصدر:
الديار

خبر عاجل