تهديد المعارضة باستخدام الثلث المعطل في تعيينات الدستوري يعيد إلى الواجهة اتفاق الدوحة
أسباب تأخير مجلس الوزراء في تعيين اعضاء المجلس الدستوري الخمسة أضحت معروفة وهي عدم وصول الفريقين داخل مجلس الوزراء إلى توافق على الأسماء، وتهديد وزراء المعارضة باللجوء إلى استعمال الثلث المعطل الذي يملكونه في حال تمسك وزراء الأكثرية بأسماء معينة لا تحظى على موافقتهم.
وما يمكن أن يلجأ إليه وزراء المعارضة يبقى ساري المفعول في حال أخذ رئيس الجمهورية برأي الأكثرية، وصوّت وزراؤه الثلاثة إلى جانبهم، الأمر الذي كان سبباً في تأجيل البت بهذه التعيينات إلى ان ينجح رئيس الجمهورية في إيجاد تسوية تُرضي المعارضة ولا تُزعل الأكثرية، الأمر الذي يبدو حتى الآن صعباً نظراً للشروط التي فرضتها المعارضة على طاولة مجلس الوزراء، وهي إما أن تقبل الأكثرية ومعها رئيس الجمهورية بإعطائها أربعة من خمسة وهم عدد أعضاء المجلس الدستوري الذي أعطى القانون مجلس الوزراء صلاحية تعيينهم وإما لا تعيين ولو بقي المجلس الدستوري معطلاً.
هذه المشكلة التي يواجهها مجلس الوزراء اليوم، ويواجهها رئيس الجمهورية بالدرجة الأولى، لأنه بات بأمس الحاجة إلى إنجاز التعيينات الإدارية والقضائية التي تشكل في العادة عماد كل عهد ونقطة قوته، سبق للأكثرية أن حذرت قبل اتفاق الدوحة من الوقوع بها، وخاضت في الدوحة مفاوضات صعبة لتجنيب رئيس الجمهورية أن يشرب هذه الكأس المرة، لأنها كانت تعي تماماً أن المعارضة لا تصر على هذا المطلب لضمان الشراكة الحقيقية والفعلية في الحكم بل من أجل تعطيل الحكم حتى ولو جاء رئيس الجمهورية بموافقتها، ويومها طرحت الأكثرية بديلاً لطرح المعارضة يؤدي إلى الغاية نفسها التي نادت بها هذه المعارضة وهي إعطاء رئيس الجمهورية التوافقي اربعة وزراء توافقيين يعود لهم الحسم في حال حصل خلاف بين الأكثرية والمعارضة يستوجب لجوء مجلس الوزراء الى التصويت.
غير أن ممثلي المعارضة في اجتماعات الدوحة رفضوا هذا الاقتراح، بالرغم من موافقتهم على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً توافقياً، وأصروا على الثلث المعطل الأمر الذي حمل الأكثرية رغبة منها في انتخاب العماد سليمان رئيساً للجمهورية وحفاظاً على الجمهورية التي كانت مهددة بالانهيار على القبول بأن تُعطى المعارضة الثلث المعطل في الحكومة التي اتفق على تشكيلها فور انتخاب رئيس الجمهورية.
وتشهد محاضر مناقشات مؤتمر الدوحة على تحفظ هذه الأكثرية على الثلث المعطل ليس من منطلق انها ترفض اشراك المعارضة في الحكم والقرار بل لأنها كانت تعرف تماماً أن هدف هذه المعارضة من الحصول على الثلث المعطل هو الإمساك بالحكم من خلال التعطيل وليس على أساس التفعيل وإعادة إحياء المؤسسات الدستورية التي استطاعت ان تعطلها ثلاث سنوات من موقعها كأقلية تملك القوة التي استخدمتها في التعطيل كما كان واقع الحال طوال السنوات الثلاث التي مضت على نشوب الأزمة بينها وبين الأكثرية.
وكانت تعرف أيضاً ان رئيس الجمهورية سيواجه عندما يتسلم سلطاته الدستورية، هذا الواقع بحيث يمنعه من أن يُؤسس لقيام الدولة من خلال إعادة بناء إدارة نظيفة وفق تصوره لهذه الإدارة ولهذا عمدت هذه الأكثرية إلى تحذير رئيس الجمهورية من ان تستخدم المعارضة "الثلث الضامن" لتعطيل العهد والحكومة، لكنها سمعت منه بأن هناك ضمانات من المعارضة بأنها لن تلجأ إلى استخدام حق التعطيل، وستعمل على تسهيل مهمته لكي يعيد بناء الإدارة بكل هيئاتها القضائية والادارية والعسكرية بما يعطي عهده الزخم المطلوب والانطلاقة القوية التي يريدها لعهده.
وزوار الرئيس سليمان، يشعرون من خلال الكلام القليل الذي يردده أمامهم مدى انزعاجه من هذا الوضع، ومدى شعوره بخيبات الأمل جراء استمرار هذا الانقسام الحاد في مجلس الوزراء وإعطاء حق التعطيل لكلا الفريقين من دون أي حساب لطبيعة النظام الديمقراطي الذي يُعطي للأكثرية ان تحكم وللمعارضة أن تعارض، سواء كانت داخل السلطة أو خارجها من دون أن يؤدي ذلك إلى تعطيل الحكم والمقصود به هنا العهد.
ومن هذ الأحاديث القليلة يعرف المستمع إليه مدى المرارة عند رئيس الجمهورية من الوضع السائد على صعيد الحكم وعلى صعيد مجلس الوزراء وانعكاساته السلبية على صعيد الإدارة ككل التي ما زالت شبه معطلة بسبب التأخير الحاصل في ملء الشواغر والتشكيلات لوضع الموظف المناسب في المكان المناسب.
ويروي الزوار عن رئيس الجمهورية انه يعمل على مدى الأربع والعشرين ساعة حتى يتسنى له قراءة كل الملفات والاطلاع على كل صغيرة وكبيرة في الدولة، ليشكل قناعة عنده لاتخاذ القرارات الصائبة لأنه لا يستطيع في ظل الواقع القائم أن يعتمد لا على تقارير الوزراء ولا على اقتراحاتها، وهذا أمر لم يمر به رئيس سبقه في لبنان.
فإلى متى يستمر هذا الوضع، وبماذا يفكر رئيس الجمهورية للخروج من هذه الحالة؟ هل يأتي الجواب بعد الانتخابات؟.