مقتلة غزة ودروس الحاضر والمستقبل
طوى العالم 2008 صفحته، لكن ملطخة بدماء مئات الضحايا الأبرياء من النساء والأطفال والعجز والمدنيين الفلسطينيين ممن لا تزال آلة الجيش الإسرائيلي الوحشية تحصدهم منذ خمسة أيام في غزة. فيما يظهر الوجه الآخر للمأساة أن أي تهدئة أو هدنة ستكشف عن ندوب عميقة في السياسة من شأنها أن تزيد الداخل الفلسطيني تأزماً والواقع العربي انقساماً.
في مقتلة غزة، كل قطرة دم غالية، وكل صرخة ألم معبّرة، وفي كل يوم يمضي يكبر السؤال كيف ولماذا جرى ما جرى؟ ولمصلحة من تعميق الانقسام الفلسطيني الداخلي وتضييع المكتسبات وتشتيت عناصر القوة؟ ولماذا أصبحت مصر والعرب الكبار في إعلام الدعاية الحربية هم المعتدي وليس إسرائيل؟.
في مقتلة غزة، لا جدوى من كل الكلام العاطفي الذي لا يقدم ولا يؤخر، لا يوقف عدواناً ولا يلملم جراحاً، سواء لناحية تحميل أحد طرفي الصراع الفلسطيني، "فتح" أو "حماس" مسؤولية ما آلت اليه الأمور، أو تحميل نظام عربي بعينه بشكل سطحي ومتسرع مسؤولية ذلك، فيما المشكلة كانت ولا تزال في الاحتلال الإسرائيلي وفي جرائم الإبادة التي يمارسها الصهاينة بدم بارد كل يوم.
لكن ذلك لا يعني، ولا يفترض أن يعني، أن الخلاف الفلسطيني الفلسطيني لم يؤدِ في مكان ما الى تهيئة ظروف مواتية للعدوان، ولا يلغي حقيقة قائمة وهي أن الأطراف العربية مجتمعة تتحمل مسؤولية مباشرة في عدم اتخاذ موقف موحد وضاغط على المجتمع الدولي، وفي مقدمه الولايات المتحدة الأميركية ليضغطوا على إسرائيل لوقف عدوانها الوحشي.
وإذا كانت اللحظة الراهنة ليست لتحميل أي طرف فلسطيني مسؤولية انهيار الأوضاع وجرّها باتجاه التأزم فالاشتعال، فإن الأكيد هو أن جردة سريعة لمحصلة أكثر من عشرين لقاء بين قيادة السلطة الفلسطينية مع القيادة الإسرائيلية لم تسفر إلا عن مزيد من إقامة المستوطنات وقضم الأراضي وقتل الفلسطينيين وزيادة مضطردة في أعداد المعتقلين، بما يطرح سؤالاً أساسياً حول الآفاق المستقبلية لعملية التفاوض الفلسطينية الإسرائيلية ومدى جديتها في دفع العملية السلمية.
توازياً، إن "حماس" برفضها الحوار الفلسطيني الذي سعت إليه القاهرة وعملت على بلورته وفاقاً فلسطينياً داخلياً يمهّد لانتخابات تشريعية ورئاسية تعيد تركيب مؤسسات السلطة الفلسطينية؛ إنما كانت تنفذ توجهات اقليمية لا دخل لها بالقضية الفلسطينية، وهي برفضها التهدئة اليوم تستكمل هذا التوجه.
وفي تقدير مصادر ديبلوماسية عربية في بيروت فإن رفض التهدئة في غزة هو "مطلب إيراني وسوري"، خصوصاً وأن "حماس" قد "غامرت منذ فترة غير قريبة بأن وضعت أوراقها كاملة بيد كل من طهران ودمشق، متجاوزة المسلمات المنطقية التي تفترض الاتجاه نحو العمق العربي من البوابة المصرية، وبالتالي باتت محصورة بين حدّي: الحسابات الاقليمية والضغوط الداخلية"، فيما لا يخفى أن إيران، قبل المواقف التي انطلقت من بيروت مستهدفة الموقف العربي، أرسلت إشارات انزعاج عدة من الموقف المصري على امتداد العام 2008، كان آخر فصولها التظاهرات المرتبة ضد سفارات مصر في طهران ودمشق وبيروت، لوضع مصر، حصراً، تحت الحصار الإعلامي والابتزاز العاطفي.
فقد سبق لـ "حماس" أن جربت ابتزاز مصر من مدخل المعابر أكثر من مرة، رداً على الموقف المصري والعربي المتمسك بدعم الشرعية الفلسطينية في رام الله، في مقابل حرص القاهرة على الموازنة بين السعي الى التوفيق بين الفصائل الفلسطينية ومساعدة سكان غزة ضمن الأطر المتاحة.
وتأسيساً على ذلك، إن "الهروب" مما يجري باتجاه تحميل دول عربية معينة مسؤولية الأزمة تحت عناوين فتح المعابر، هو خلط للأمور وتبسيط لها بما يؤدي الى استجلاب الفوضى من جهة وعدم تحقيق أي فائدة للنضال الفلسطيني من جهة ثانية. ففي مشهد الهجوم على مصر، واتهامها بالخيانة والشراكة في العدوان، ومطالبة العرب بجعل "اليوم، وكل يوم كربلاء"، نصرة لأهل غزة، يحمل التباسات كثيرة، ليس أقلها أن ذلك يأتي في إطار تحريض المصريين على قيادتهم بلغة مذهبية مرفوضة، وفي إطار المزايدات الخطابية التي تعني تجاوز إعلان الحرب على اسرائيل دفاعاً عن "حماس" أو "غزة"، لإعلان الحرب على مصر والعرب الكبار. فإيران، تريد من مصر، عبر "حماس"، تسليم القطاع وفتح حدودها بدون قيد أو شرط، وإلا فهم خونة وشركاء في الجريمة!.
فهل يُراد من مصر أن تسلم أمنها وقرارها لـ"حماس" ومن خلالها لإيران وسوريا؟ ولماذا المطالبة بفتح معبر رفح، وهو مطلب سياسي محق في أطره المشروعة، وإغفال مطالبة سوريا بفتح جبهة الجولان مثلاً؟ ثم أين هو موقع سوريا، رائدة الصمود والتصدي الإعلامي، والتي كانت أعلنت عشية بدء الحرب الإسرائيلية على غزة، قبولها بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ثم في حمأة العدوان، تكتفي بالتلويح على طريقتها الإعلامية الشهيرة، عبر "مصدر مسؤول" بتعليق مفاوضاتها مع إسرائيل، متناسية جبهتها الباردة منذ أكثر من ثلاثة عقود ونصف؟ وهل يستقيم السؤال عن النفط والمال العربي، وإغفال المال الإيراني الطاهر؟.
في مقتلة غزة، وعلى مسافة أقل من خمسة أسابيع على الانتخابات الإسرائيلية، وبعيداً عن الانتهازية السياسية من ابتزاز عاطفي ومزايدات خطابية واستغلال للجراحات والدموع، ثمة دروس وعبر يمكن للفلسطينيين والعرب الإفادة منها في حاضرهم ومستقبلهم، أولها أن المدخل المباشر لمواجهة الحرب الإسرائيلية على غزة، ولاحقاً معالجة تداعياتها، هو الإسراع في استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وطي صفحة الانشقاق وإعلاء هذا المنطق على ما عداه. وثانيها، ضرورة دعم كل أشكال النضال الفلسطيني، سياسياً وديبلوماسياً وشعبياً، بما يعود بالفائدة على المسار العام للقضية الفلسطينية، فالمقاومة، فكرة وإمكانية وأطراً وشرعية، لا وجود ولا معنى لها إذا كانت مرتبطة بمصالح اقليمية أو حسابات فئة سياسية بعينها، ولم تكتسب شرعيتها من ضمن الوحدة الوطنية الكاملة، وما عدا ذلك يضعف الموقف الفلسطيني.
وثالث الدروس، أهمية التمسك بالديناميات التي أطلقتها المبادرة العربية للسلام بما هي مسار وفّرته وتحميه الشرعية العربية، والعمل على مواءمة ذلك مع الشرعية الدولية، بما يرتد مكاسب للقضية والشعب الفلسطيني، وما عداه من أشكال استعداء الوحدة الوطنية والشرعيتين العربية والدولية، هو الى كونه جلد للذات ومضيعة للمكاسب والفرص، تقديم خدمات مجانية لإسرائيل.