غزة أيضاً
تحمل الحرب الإسرائيلية على غزة يا إخوان، ما هو أبعد من قدرة ضحاياها على مواجهته أو الانتصار فيه… في مقابل هذا الكلام هناك من يفترض العكس، ويستند البعض في ذلك الى مبررات وحجج واقعية الى حد بعيد، فيما يستند بعض آخر الى عصبية تعبوية مفهومة ومعروفة.
فجاجة الخلاصة لا تلغي التفاصيل ومحاولة الشرح. أولاً "حماس" ليست "حزب الله"، وغزة ليست لبنان، ومكابر يتسلى في وقت الجد، من يقول أن هزيمة إسرائيل في عدوان 2006 ستتكرر هناك وكفى الله المؤمنين… "الهزيمة" أصلاً ملتبسة، وهي تخضع وستخضع حتى إشعار آخر للكثير من المحاججة والأسئلة المقموعة التي ستخرج في وقتها.
واضح أن إسرائيل لم تتمكن من تحقيق كل أهدافها في تموز 2006، بل تمكنت من شيئين أساسيين: أولاً إبعاد مقاتلي "حزب الله" عن خط التماس المباشر عند حدودها، وثانياً "إيجاد" تركيبة أمنية، عسكرية لبنانية ـ دولية شرعية يمكن أن تضمن هدوءاً محكوماً بقرارات وافق عليها كل المعنيين… كل شيء آخر بقي على حاله، والجغرافيا بقيت عصية على أي حراك ولو لسنتمترات معدودة. إدعاء الانتصار، تبعاً لذلك، فيه الكثير من خيال الشعر الجميل والقليل من التواضع.
طبعاً، منع إسرائيل من تحقيق "كل أهدافها"، أي كل ما قالته عن "تدمير حزب الله"، هو حُكماً مدعاة إطلاق ذلك الشعار الطنّان والمحق بالنصر بالنسبة الى الحزب كبناء قائم ومدعّم ومحنّك ومجرّب… لكن فقط ذلك، أما بالنسبة الى لبنان واللبنانيين "الآخرين". بدءاً بأهل الجنوب وصولاً الى آخر قروي في بلاد عكار، فإن الحرب كانت خسارة فظيعة، بشرياً ومادياً، لا يمكن تبريرها إذا حكّم الضمير!
لا يمكن إذن إسقاط ذلك لالتباس على واقع غزة ومقاومتها، ولا يمكن بالعربي الفصيح تركيب مقومات انتصار على وضع مهزوز حتى الساعة: في ميزان القوى، والقدرة على إيذاء العدو، والقدرة على قيادة المعركة من تحت الأرض، وتأمين المدى الجغرافي والسياسي المطلوب في أي حرب، وغياب المظلة العامة التي يمكن الركون إليها كغطاء عندما يحين الوقت وتدق الساعة… من كمش الوضع في غزة، أراد وعمل على مقاتلة كل الناس، بدءاً من مداه الوطني الفلسطيني، مروراً بمصر، وصولاً الى إسرائيل. وكأننا أمام قوة نووية جبّارة، لا نعرف عنها شيئاً؟!
المسألة أعقد من ذلك. والسياسة في أماكن أخرى، قد تكون هواية لقتل الوقت في مجتمعات مترفة، لكنها عند الفلسطينيين قضية حياة وموت. والقراءة فيها تحتاج الى صراحة ووضوح وصدق في الكلام: ليس طبيعياً ولا منطقياً على الإطلاق، ذلك القطع مع الأهل والجوار في نقطة محاصرة من كل الجهات. في الأمر شبهة تحدٍ، وغرور، وقصر نظر لا يليق بمن يتصدى لشعار إلحاق هزيمة تاريخية بالعدو الصهيوني.
مرير واقع الحال القائم. ونقطة الضعف القاتلة كانت في القدرة العجيبة على ادعاء ما ليس في الوسع ولا في القدرات وبالتالي تفريخ الانقسام في كل الاتجاهات… إلتقط الإسرائيليون الفرصة وبدأوا في ممارسة هوايتهم الوحيدة في هذه الدنيا: التنكيل بالشعب الفلسطيني، ثم اختراع الحجج والتبريرات لذلك.
يجب أن ينتبه من يقول بأن الواقع غير ذلك، الى أن إسرائيل هذه ما خاضت "معركة" ضد الفلسطينيين إلا واستفادت من تفوقها العسكري وسجّلت نتائج غير ملتبسة… طبعاً "الحرب" مع فلسطين وشعبها لم تنته ولن تنتهي قريباً، وفي ذلك فقط تبقى إسرائيل مهزومة ومشروع لصوصية وعسف لا نظير لهما في التاريخ، وتبقى خارج النسيج الإنساني لو أن في هذه الدنيا عدالة فعلاً..
لكن يفترض بمقاومة غزة يا إخوان، أن تعرف أن العدالة معلّقة على ميزان مرير يحكم للقوي أن يأكل الضعيف، ويفترض أن تعرف أن شعبها هو الضحية، ويفترض أن تتقن فنون تغطية نقاط الضعف بتوسيع مروحة الصلات والاتصالات، وليس الركوب على محور يبان عجزه العملي يوماً بعد يوم رغم ادعائه القدرة والانتصار!!
سيبقى الفلسطينيون في غزة ولن يذهبوا الى أي مكان آخر، وفي ذلك هزيمة منكرة لإسرائيل. أما تصوّر أي نتيجة لما يحصل راهناً، لا تغيّر في واقع الحال القائم، فهذا يبقى ضرباً من ضروب التنظير لهواة مبتدئين، فيما الأرض تحترق والناس تموت… ورحم الله شهداء غزة الأبرار.