ما دام الفلسطينيون منقسمين على أنفسهم لا القرارات العربية ولا الدولية تلجم إسرائيل
فيما يستمر السجال والجدل حول مضمون قرار وقف القتال في غزة بسبب الخلاف الفلسطيني – الفلسطيني والعربي – العربي والدولي – الدولي في هذا الشأن، تواصل اسرائيل عدوانها وهي موحدة الموقف. وفيما لا تتوصل الدول العربية الى اتفاق على تحديد زمان القمة ومكانها لاتخاذ القرارات الحازمة لوقف هذا العدوان، لأن لا اتفاق بعد على اتخاذها، فكان اتفاق على رمي الكرة في ملعب مجلس الأمن الدولي كي يتحمل مسؤولية اتخاذ القرارات التي يراها مناسبة، واذا بهذا المجلس غير متفق أيضاً، بين اعضائه من الآن على اتخاذ هذه القرارات، الأمر الذي جعل أوساطاً سياسية تتساءل عما إذا كان الخلاف الذي يؤخّر صدور قرار عن القمة العربية او عن مجلس الأمن، هو خلاف طبيعي ام متعمد، لاعطاء اسرائيل مزيداً من الوقت كي تتوصل الى تحقيق اهداف عدوانها على غزة، كما اعطيت مزيداً من الوقت في حرب تموز 2006 للقضاء على "حزب الله" اذ جعل تأخيره قد يكون متعمداً لاتخاذ قرار في مجلس الأمن الدولي لوقف اطلاق النار، وعندما لم تتمكن اسرائيل من تحقيق اهداف عدوانها على هذا الحزب، صدر القرار 1701 الذي دعا ليس الى وقف العمليات العسكرية وانهاء اعمال العنف فحسب، بل ايضاً الى "ضرورة العمل على وجه عاجل لمعالجة الاسباب التي أدت الى نشوب الازمة بما في ذلك اطلاق سراح الجنديين الاسرائيليين المختطفين بدون شروط". ورحب هذا القرار من جهة اخرى "بالجهود التي بذلها رئيس وزراء لبنان والتزام حكومة لبنان الذي تجلى في خطتها المؤلفة من سبع نقاط لبسط سلطتها على أراضيه، من خلال قواتها المسلحة الشرعية، بحيث لا يكون هناك سلاح بدون موافقة حكومة لبنان ولا سلطة غير سلطتها مع الترحيب ايضاً بالتزامها نشر قوة للأمم المتحدة مستكملة ومعززة من حيث العدد والمعدات والولاية ونطاق العمليات وانسحاب القوات الاسرائيلية انسحاباً فورياً من جنوب لبنان".
وتضمن القرار أيضاً، نظراً الى الحالة في لبنان التي اعتبرها مجلس الأمن "تشكّل تهديداً للسلام والأمن الدوليين" دعوة اسرائيل ولبنان الى "دعم وقف دائم لاطلاق النار، وحلّ طويل الأجل استناداً الى الاحترام التام للخط الأزرق، واتخاذ ترتيبات امنية لمنع استئناف الاعمال القتالية بما في ذلك انشاء منطقة بين الخط الازرق ونهر الليطاني خالية من اي افراد مسلحين او معدات او اسلحة بخلاف ما يخص حكومة لبنان وقوة الامم المتحدة المؤقتة في لبنان، والتنفيذ الكامل للاحكام ذات الصلة من اتفاق الطائف والقرارين 1559 و1680 التي تطالب بنزع سلاح كل الجماعات المسلحة في لبنان حتى لا تكون هناك اي اسلحة او سلطة في لبنان عدا ما يخص الدولة اللبنانية عملاً بما قرّره مجلس الوزراء اللبناني في 27 تموز 2006 ومنع مبيعات او امدادات الاسلحة والمعدات ذات الصلة الى لبنان عدا ما تأذن به حكومته، وبيع او تزويد اي كيان او فرد في لبنان اسلحة وما يتصل بها من عتاد من كل الانواع، بما في ذلك الاسلحة والذخيرة والمركبات والمعدات العسكرية وشبه العسكرية، وقطع الغيار سواء أكان منشؤها من أراضيها او من غيرها.
وها قد مضت على صدور القرار 1701 سنتان ونصف السنة تقريباً ولم ينفذ منه سوى نشر القوات الدولية والجيش اللبناني في منطقة الحدود مع اسرائيل ووقف العمليات العسكرية فقط، من دون الانتقال الى تحقيق وقف اطلاق النار الشامل وذلك بسبب استمرار اسرائيل في خرق ما نص عليه هذا القرار ومنها تحليق طائراتها الحربية في اجواء لبنان بحجة مراقبة نشاط "حزب الله" وتعزيز اسلحته لا سيما بالصواريخ، واستمرار هذا الحزب من جهة تزود مزيد من الاسلحة، الأمر الذي حال دون تنفيذ القرار 1701 كاملاً بحيث بقي احتمال عودة القتال بين اسرائيل و"حزب الله" قائماً، لأن مجلس الأمن لم يضع آلية لتنفيذه في حال امتنع الاطراف المعنيون عن ذلك، ولا اتفق اللبنانيون على طريقة تنفيذه بسبب الخلاف على وجود سلاح "حزب الله" وكيفية جعله شرعياً، وبسبب الخلاف مع اسرائيل على ذلك ايضاً.
وليس هذا القرار الصادر عن مجلس الأمن هو الذي ظل بدون تنفيذ كامل، انما القرارات التي صدرت عنه وتتعلق بالقضية الفلسطينية وبالقضية اللبنانية وبالصراع الاسرائيلي العربي عموماً لأن مجلس الأمن لم يضع آلية تفرض تنفيذها، ولا الاطراف المعنيون اتفقوا على ذلك، وعلى الأخص القرارات 242 و338 و425 التي تدعو الى انسحاب القوات الاسرائيلية من الاراضي العربية التي تحتلها، فلم تنسحب لا من الأراضي الفلسطينية ولا من الاراضي السورية، ولم تنسحب طوعاً من الاراضي اللبنانية بل بقوة المقاومة، وان احتمال عودة المواجهة العسكرية بين اسرائيل و"حزب الله" سوف يسقط هذا القرار نهائياً كما اسقط اتفاق القاهرة، الذي سمح للفلسطينيين المسلحين بالانطلاق من جنوب لبنان ضد اسرائيل، اتفاق الهدنة بين الدولتين المعقود عام 1949.
واذا كان وزراء الخارجية العربي قرّروا في اجتماعهم الأخير اللجوء الى مجلس الامن كي: يتحمل مسؤولية وقف العدوان الاسرائيلي على غزة، لأن القرارات التي تصدر عن القمة العربية تنتهي بذهاب المجتمعين الى منازلهم، وكأن شيئاً لم يكن، فمن ذا الذي يضمن تنفيذ القرارات التي تصدر عن مجلس الأمن لوقف هذا العدوان" وقد اثبتت التجارب ان معظم هذه القرارات ظلت بدون تنفيذ كامل لها ومن بينها القرار 1701 رغم مرور ما يقارب السنتين ونصف السنة على صدوره؟
لذلك ليس امام العرب سوى ان يتوحدوا حول الموقف الواجب اتخاذه في مواجهة اي عدوان اسرائيلي، فاما يتوحدوا للرد على حرب اسرائيل بالحرب، او الرد بدعوة المجتمع الدولي الى احترام قراراته والعمل بشتى الوسائل لالزام كل الاطراف المعنيين بتنفيذها، فلو انه صار تنفيذها، لكان السلام الشامل والدائم ساد منطقة الشرق الأوسط من زمان.
ولكن ما دام المجتمع العربي على خلاف حيال كيفية مواجهة اي عدوان اسرائيلي، وكذلك المجتمع الدولي، وبالأخص الخلاف بين الفلسطينيين، فلن يكون في الامكان مواجهة اسرائيل الموحدة الصف والموقف دفاعاً عن مصالحها ومصيرها ووجودها، ولن يتم التوصل الى تنفيذ اي قرار دولي إذا ظل الفلسطينيون منقسمين على بعضهم حول اي قرار او اتفاق، وذلك منذ اتفاق اوسلو الذي وافق عليه فريق فلسطيني ولم يوافق عليه فريق آخر ومن هنا تبدو اهمية وحدة الموقف التي يجب ان تبدأ بأصحاب الشأن أولاً اي بالفلسطينيين، فلا يظل فريق يصرّ على استعادة الحقوق المشروعة بالمقاومة وفريق آخر بالتفاوض، وهو ما حصل مع اللبنانيين الذين ظلوا يتقاتلون 15 سنة ولم يستطع لا الغرب ولا العرب وقف ذلك وكانوا يدعونهم الى الوفاق فيما بينهم كي يستطيعوا مساعدتهم. وهم يطلبون الآن من الفلسطينيين ان يتفقوا أولاً فيما بينهم كي يستطيع الغير مساعدتهم، لأن اي قرارات تصدر سواء عن قمة عربية او عن مجلس الأمن تبقى بدون تنفيذ اذا ظل الفلسطينيون مختلفين حولها ويتقاتلون ليس مع اسرائيل بل مع بعضهم بعضاً…
ولا بد في هذا المجال من التذكير بقول الرئيس الفرنسي شارل ديغول لوزير خارجية لبنان فؤاد بطرس الذي ذهب ليشكره باسم الرئيس شارل حلو على موقف فرنسا من عدوان اسرائيل على مطار بيروت: "اسمع يا صديقي، انا مع لبنان شرط ان يكون لبنان مع نفسه، فسأتدخل اذا حاولت اسرائيل ان تهاجم لبنان وتعتدي عليه، لكن اذا اشتعلت بين "البسطة" و"الجميزة"، (اشارة الى حرب اهلية) فلن استطيع شيئاً"!
هذا هو الوضع الذي ينطبق على الفلسطينيين المنقسمين على أنفسهم اليوم بين من يريد استعادة الحقوق بالمقاومة ومن يريد استعادتها بالتفاوض، فتواجههم اسرائيل بوحدة موقف…