#adsense

موقف “المعتدلين” دون مستوى الحدث في غزة .. فماذا عن “الممانعين”؟

حجم الخط

موقف "المعتدلين" دون مستوى الحدث في غزة .. فماذا عن "الممانعين"؟!

مهما كانت المبرّرات، فإنه يصعب الاقتناع بأن موقف دول "الاعتدال" العربي هو بمستوى العدوان الواقع على غزة الصابرة. قيل الكثير عن التخاذل والضعف العربي، ولكن ماذا عن المزايدين، وعلى رأسهم الجمهورية العربية السورية التي يصدح إعلامها الرسمي بالخطابات العنترية؟! وما معنى الممانعة إزاء العدوان المجرم على قطاع غزة؟!.
لعله من غير المناسب في هذا الوقت توجيه الأنظار إلى الداخل العربي، لولا أن عملية تضليل الرأي العام قد بلغت مداها بالتزامن مع العدوان على غزة.

الممانعة بدلاً من المجابهة!

للوهلة الأولى يبدو أن مصطلح الممانعة الذي تتغنى به سوريا وحلفاؤها يعني رفض التفريط بالحقوق أو الخضوع للضغوط، على اعتبار أن ثمة خللاً استراتيجياً في موازين القوى يمنع من انتهاج الحرب سبيلاً لاستعادة الأرض وانتزاع الحقوق المغصوبة. معنى ذلك أن استراتيجية إعلان الحرب المباشرة غير موجودة، وهذا واضح من دأب النظام السوري على الاحتفاظ بحق الرد في كل مرة تتعرض فيه سوريا لاعتداء مباشر من الطائرات الحربية الإسرائيلية. وعليه، فإن النظام السوري يتكّأ على "الممانعة" لتبرير عجزه عن إعادة الاعتبار للسيادة المعتدى عليها، من باب أنه إذا لم يكن قادراً على الرد فإنه يحتفظ على الأقل برفض السير في "المشروع الأميركي". هذا ما أعلنه النظام السوري في أعقاب إسقاط العدو الإسرائيلي طائرتين سوريتين في العام 2001، وبعد الهجوم الإسرائيلي الجوي على عين الصاحب في العام 2003، وبعد استهداف الطائرات الإسرائيلية موقعاً عسكرياً هاماً في دير الزور في العام 2007، وبعد الهجوم الأميركي المجوقل على البوكمال في العام 2008.

إلى هنا تبدو الأمور مفهومة نسبياً، مع الكثير من الملاحظات، إذ ينبغي التفريق بين أن يكون البلد محتلاً وبين أن يكون محرراً، فـ"الممانعة" بمعنى رفض التنازل عن الحقوق المشتركة، تكون مفهومة في معرض العجز عن نصرة القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية العادلة، لكنها ليست كذلك في معرض الاحتلال المباشر للبلد الذي يرفع شعار الممانعة، لأن الواجب يدعو إلى بذل كل غالٍ من أجل التحرير، وهذا الأمر ليس بالمستحيل على بلد كبير مثل سوريا، فجمهورية مصر لم ترفع شعار الممانعة بل المواجهة، من أجل تحرير الأرض التي خسرتها بعد النكسة في العام 1967، وقد قدّمت عشرات آلاف الشهداء والجرحى من أجل استعادة أرضها المحتلة، وكان الواجب على النظام السوري أن يتابع المواجهة التي بدأها مع مصر في حرب العام 1973 لاستعادة الجولان، وليس الاكتفاء باستعادة بلدة القنيطرة وترك الجولان بعد ذلك تحت الاحتلال لأكثر من 35 سنة تالية، من دون الاستعداد لحرب جديدة من أجل استعادة الأرض.

… والممانعة بدلاً من المقاومة

في العام 1978 وقّعت مصر اتفاقية كامب ديفيد التي استعادت بموجبها ما تبقّى من سيناء، وأنهت حالة الحرب بينها وبين إسرائيل. كان لهذه الاتفاقية نتائج سلبية على سوريا أبرزها اختلال ميزان القوى الاستراتيجي لصالح الجيش الإسرائيلي. وخلال أكثر من ثلاثين عاماً لم تستطع سوريا إعادة التوازن لميزان القوى هذا. أمر قد يبدو مفهوماً بصعوبة لبلد مساحته 185 ألف كلم مربع وغني بالموارد ويقطنه 20 مليوناً، لكن إذا لم يكن من سبيل للحرب، ألم يكن معقولاً أن يعتمد النظام السوري المقاومة بدلاً من الممانعة؟!

في حقيقة الأمر لم يجرؤ النظام السوري على إطلاق مقاومة شعبية من أجل الجولان، إذ كيف له ذلك وهو يُطبق على أنفاس الشعب السوري بالحديد والنار، ثم كيف له ذلك إذا كان يعلم أن ثمن المقاومة هو الإطاحة بنظامه!. من أجل ذلك فقد منع النظام السوري أي حركة مقاومة في الجولان، بل اعتقل كل من حمل البندقية من أجل تحرير أرضه. ومن أجل ذلك أيضاً كان اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية، وأجهزة المخابرات الإسرائيلية من أشد الرافضين لأية ضغوط دولية أو ميدانية من شأنها الإطاحة بما تبقى من "البعث" في سوريا في العام 2005، مع العلم أن قيام مقاومة في سوريا خلال سنوات الاحتلال الطويلة للجولان مهما كانت ضعيفة- كان من شأنه إحداث تغييرات حقيقية في المعادلة القائمة هناك، قياساً على تجربة البلد الصغير المجاور لسوريا، أي لبنان، الذي استطاع تحرير أرضه عبر المقاومة التي رعتها الدولة في العام 2000.

ولا يغيّر من هذا الواقع ما يروّجه النظام السوري من أنه يدعم المقاومة في كل من لبنان وفلسطين، لأن ذلك عذر أقبح من ذنب، فإذا كانت المقاومة منتجة في لبنان مثلاً- وهي أنتجت تحريراً بالفعل عام 2000- فلماذا لا تكون موجودة في سوريا الزاخرة بالرجال الرجال؟! قباحة هذه الحجة أنها تتضمن استغلال المتقاعس الذي يريد أن يحارب بمقدرات غيره، فيحفظ لنفسه السلامة وبقاء النظام، ويترك غيره يقاوم، حتى نضوج التسويات، فيقطع حينها صلته بالمقاومين، الذين دفعوا الثمن وتحمّلوا عبء المواجهة، فيما يكتفي هو بالاستفادة منها بلا أي ثمن، غير أنه استخدمها ورقة لتحسين وضعه على طاولة المفاوضات.

الممانعة ليست إلا قناعاً يُخفي المفاوضة

… وإذا لم تكن الممانعة تعني المجابهة، أو المقاومة، أو حتى دعم المقاوَمات في الخارج لأسباب غير مصلحية، فماذا تعني إذاً غير المزايدة الفارغة؟. أليس ما يفعله النظام السوري إزاء عدوان غزة مثالاً صارخاً على المزايدة الكلامية؟!.

النظام السوري يعيب اليوم على الأنظمة العربية أنها تخلّت عن القضية الفلسطينية ومشت في ركب السلام، مع العلم أن مسيرة السلام المزعوم إنما انطلقت من رحم مؤتمر مدريد عام 1991 عندما وافق الرئيس الراحل حافظ الأسد على مبدأ "الأرض مقابل السلام"، بعد مشاركته في حرب تحرير الكويت. يقول الإعلام السوري اليوم إن "دول الاعتدال" تقدّم لإسرائيل المبادرة العربية للسلام فيما آلتها العسكرية تمعن في قتل أطفال غزة، مع العلم أن الدول العربية موافقة بالإجماع على المبادرة العربية للسلام، التي ُأطلقت من بيروت عام 2002، أي زمن الوصاية السورية عليها، وقد وافق النظام السوري على هذه المبادرة، ولم يقل بعد إنه يريد التراجع عن موافقته عليها!.

وأشنع من ذلك كله، أن النظام السوري "الممانع" هو الذي فاوض إسرائيل سراً خلال عدوانها على لبنان صيف العام 2006 في الوقت الذي كان أطفال لبنان يذبحون، كما بات معلوماً، وهو الذي طلب الوساطة التركية لرفع درجة التفاوض لاحقاً، وهو الذي يعلن الآن أنه يستعد لمفاوضات مباشرة، حالما تأتي إدارة أميركية جديدة، بل هو الذي يدعو لبنان للانضمام إلى طاولة المفاوضات المباشرة عندما تُعقد!. أبواق النظام السوري هي التي ترفع شعارات النصر عندما تبدو أية بارقة انفراج في العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي من جهة والنظام السوري من جهة أخرى، ولو من باب الرضوخ، كما كان واضحاً في الانفتاح الفرنسي على سوريا والذي كانت السفارة في بيروت أولى اشتراطاته، في حين أن هذه الأبواق نفسها تتحدث باشمئزاز عن علاقة العرب الآخرين بأميركا والغرب!. حلفاء دولة الممانعة الشقيقة يتحدثون عن الموقف العربي المخزي- وهو مخز حقاً- لكنهم بالمقابل لا يخجلون من كونهم يقيمون علاقات طبيعية مع إسرائيل، ويستقبلون بين الحين والآخر قادة العدو المجرمين، فيصافحونهم بحرارة المحب!.

الممانعة في جوهرها ليست إلا مزايدة فارغة، بل هي غطاء لإخفاء المفاوضة مع العدو، في الوقت الذي تجري فيه مساجلة الشقيق وتخوينه. وبالعودة إلى جرح غزة النازف، فعلى من يرفع شعار الممانعة ألا يكتفي بتنظيم مظاهرات الغضب وبيانات التنديد التي تشترك فيها الدول العربية والإسلامية كافة، وإنما عليه أن يقدّم شيئاً عملياً أو موقفاً نهائياً من التفاوض مع العدو، سيما أنه الوحيد من بين الدول العربية، الذي يملك أرضاً محتلة، وجبهة يفترض أنها مفتوحة. عند ذلك فقط يمكن للنظام السوري "البطل" أن ينتقد سواه، وعند ذلك فقط يحق لبشار الأسد أن يصنّف الرجال أصحّاءَ وأنصافاً وأشباهاً!.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل