نغادر الطائف.. إلى أين؟
تفرض علينا التجربة المتمادية في لبنان ضرورة الإنصات بتروٍ، إلى اللغة المتداولة التي تميز الخطاب السياسي اليومي الذي يعتمده الفريق المعارض اليوم، وتفرض هذه التجربة أيضاً وجوب الالتفات إلى ما تحمله مفردات هذه اللغة، من المعاني والمقاصد التي تتيح إمكان الإفصاح عن أمر معين وعلى نقيضه في آن واحد، فعادة اللجوء إلى اللغة التي تحمل أكثر من وجه، هي عادة قديمة يركن إليها دائماً وعند الاضطرار، كلما دعت الحاجة إلى توجيه السؤال أو النقد إلى عنوان سياسي "محدد"، تمنع حراجة الموقف الرمي باتجاهه والتصويب عليه بشكل مباشر، فيستعاض عن الهدف الأصلي المقصود، بآخر وهمي، تتكفل الإشارة إليه بتحقق المرتجى واكتمال المقصود.
في هذا المجال، تطفو اليوم على سطح التداول السياسي، مسألتان تختصران في حد ذاتهما ومن خلال اللغة السياسية الملتبسة المستعملة من قِبَل الفريق المعارض، أبعاد الأزمة السياسية المتجدّدة، التي باتت تثقل على الوطن وعلى كاهل شعبه، يتصدر اليوم عنوانا تعديل الطائف ومسألة تعويضات حرب تموز، واجهة الحراك السياسي المعارض الساعي في هذه الآونة وبعد تلاشي نتائج تسوية الدوحة، إلى تجديد الهجوم على الأغلبية بغية إضعافها وعدم تمكينها من خوض المنافسة الديموقراطية الشريفة عبر الانتخابات النيابية المنتظرة في ربيع العام 2009.
تفضح المطالبة بتعديل اتفاق الطائف الذي بات دستوراً، وقضية التعويض عن الأضرار التي خلفتها حرب تموز، المقاصد الأصلية للمعارضة المتمثلة بنية الانقلاب على النظام الدستوري وآلياته القانونية، فالمطالبة المبهمة بتعديل الطائف في هذا الوقت والموكلة إثارتها إلى التيار الوطني الحر، نيابة عمّن يثير مسألة التعويضات، هي مطالبة تضمر تقليص صلاحيات مجلس الوزراء ورئيسه. وتفضح أيضاً إثارة مسألة المهل المقيدة لصلاحيات رئيس الجمهورية وضرورة "مساواته" بالوزير، نيّة الإجهاز على النظام الديموقراطي البرلماني الذي يميّز لبنان نسبة لمحيطه ولسائر أشقائه. ويُلاحظ في هذا السياق، أن الهدف الذي يُصوب عليه من خلال هاتين المسألتين هو مقام رئاسة الحكومة، أفلا يثير هذا الأمر في مرحلة التحضير للانتخابات النيابية، وفي موسم ازدهار الاستقطابات المذهبية والطائفية، الدهشة والاستغراب؟
يشكل اتفاق الطائف اليوم، والذي مُنع اللبنانيون من تطبيقه كاملاً طيلة السنوات الماضية، ومهما شكك فيه المشككون، الإطار الباقي الوحيد، الذي ما زال يتيح لسائر المجموعات اللبنانية، التعبير عن ذاتها بحرية وكرامة، وتكمن عظمة هذا الاتفاق الأساسية، في الإصلاحات الدستورية التي أعاد من خلالها تصويب طبيعة النظام الديموقراطي البرلماني الملتبسة، التي كان قد لحظها دستور 1926، الذي منح رئيس الدولة في الجمهورية البرلمانية، صلاحيات رئيس الجمهورية في الأنظمة الرئاسية، وهذا ما كان يضفي على النظام السياسي اللبناني، جواً من عدم الثبات والاستقرار، بسبب الطبيعة الهجينة التي ميّزت آليات الحكم غير المنسجمة مع السياقات العامة الراعية لسيرورات العملية الدستورية، حيث كان متن النظام السياسي برلمانياً ورأسه رئاسياً، فرئيس الجمهورية رغم الصلاحيات الواسعة التي كان يتمتع بها، لم يكن مسؤولاً أمام المجلس، فكانت المسؤولية تُحصر برئيس الحكومة الذي لم يكن يتمتع بصلاحيات حقيقية، ما خلا صلاحية واحدة سلبية، تتمثل بتقديم الاستقالة حينما يلمس دنو سيف الإقالة.
لقد أعاد الطائف عبر شقه الداخلي الطبيعة البرلمانية للنظام اللبناني، فأنهى مرحلة التناقض والاختلاف وعدم الانسجام التي ميّزت المرحلة التي سبقت الطائف، فالطائف اليوم وبعدما جعل من مجلس الوزراء المتشكل من ممثلين عن كافة الطوائف اللبنانية، مصدراً للسلطة الإجرائية، والذي جعل من رئيس الجمهورية حكماً ورمزاً لوحدة الوطن يسأل ولا يُسأل، أباً لجميع اللبنانيين يترفّع عن الخوض في السياسة بمعناها العادي، لا تجوز المطالبة غير المبررة بتعديله، فالطائف إضافة إلى شقه الداخلي الذي أعاد الانسجام إلى آليات الحكم، يُشكل الآن وأكثر من أي وقت مضى مظلة حماية تقي لبنان تداعيات أي اضطراب اقليمي، فقد نص الطائف على حرية وسيادة لبنان، وعلى وجوب المحافظة على سلامة الأرض اللبنانية، وعلى انتشار الجيش والقوى الشرعية على مجمل مساحة الوطن، وعلى حصرية السلاح الشرعي. وقد نص أيضاً على طريقة تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة وعلى كيفية هذا التحرير استناداً إلى السقف الذي يحدده قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425، وأشار الطائف أيضاً إلى وجوب العودة إلى اتفاق الهدنة الموقع في العام 1949، حالما يتم الانتهاء من عملية التحرير. فكيف نفرّط بجميع هذه المكاسب والضمانات، ألنعود إلى مرحلة المطالبة برفع الغبن الإسلامي، وإلى حقبة الخوف المسيحي، التي كلفت لبنان واللبنانيين عدداً لا يحصى من الحروب والأحزان والمآسي؟
نغادر الطائف إلى أين؟ إلى النظام الرئاسي وإلى عملية انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب؟ وماذا عن عدالة التمثيل والمناصفة ما بين المسيحيين والمسلمين التي كفلها اتفاق الطائف، وكيف ستكون نتيجة الانتخاب المباشر لرئيس الجمهورية من قِبَل الشعب، هل فكر المطالبون بتعديل اتفاق الطائف بتداعيات وتبعات هذا التعديل على مستقبل الصيغة اللبنانية، وأكثر كيف ينظر المعادون للطائف إلى الاختلال الديموغرافي الذي تُسجل نتيجته حتى الآن لصالح المسلمين؟
إن الدعوة إلى تعديل الطائف هي دعوة إلى عودة الحرب الأهلية وإلى إعادة لبنان وأرضه، ساحة لتصفية الخلافات العربية والاقليمية عبر بوابته الجنوبية، فهل نغادر الطائف وإصلاحاته إلى المجهول المعلوم؟