منصّة تضامن
بدلاً من ان يكون الجنوب منصة لاطلاق الصواريخ التي اعلن رئيس الجمهورية ميشال سليمان من الناقورة رفضه لها، تحوّل لبنان بأسره منصة تضامن مع غزة بشكل يتفوق فيه على اقطار عدة في المنطقة وبينها من يزايد على الفلسطينيين أنفسهم بادعاء النضال.
لن يعلم أحد كيف سينتهي الامر في غزة أكثر مما يعلم الاسرائيلي وحركة "حماس"، فهما طرفا الصراع. لكن لبنان يعلم ما لا يعلمه احد سواه كيف تكون الحروب المشابهة واخرها حرب تموز عام 2006 التي تكاد تكون الشقيق التوأم لحرب غزة. ولذلك أدرك الجميع هذه الحقيقة بدءاً بالدولة بكل مراتبها مروراً بالاحزاب، وفي مقدمها "حزب الله"، وصولا الى الناس العاديين الذين دفعوا اثماناً غالية في مناطق حرب لبنان الاخيرة مع كلفة كبيرة في المناطق المجاورة للحرب والبعيدة عنها على السواء.
لكن، وعلى رغم هذا الوضوح، أثار كلام رئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري بعد لقائه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قلقاً سارع الحريري الى محاصرته بالنفي وذلك في معرض "خشيته" ان يحدث شيء للبنان. واردف هذا الكلام بالحديث عن موقف اجماع لدى الاحزاب بعدم توريط لبنان في هذه المرحلة.
ولكن مهما يكن مضمون التوضيح فالتلميح الى "شيء ما" يثير الخشية ظهر عنصراً بارزا وخصوصاً انه يأتي بعد لقاء مع زعيم اوروبي يلعب دوراً مميزاً في معالجة حرب غزة. فهل قال ساركوزي شيئاً عبّر عنه الحريري على طريقته؟
انه سر ملك اصحابه. انما هو ايضاً تنبيه قوي للوطن بان يكون على اهبة الاستعداد لمواجهة اي مخطط بجر لبنان الى الهاوية المجاورة، الى قمة تفاوض سورية – اسرائيلية لا شك في انها تنشط، كما البركان، لتقذف مفاوضاتها اذا ما دُفع لبنان الى الحرب.
وحده "حزب الله" يملك سر منصة الصواريخ الحقيقية التي ستعاود العمل اذا ما قرر الذهاب الى الحرب. الا ان الدولة اللبنانية بمكوناتها الواسعة، حكماً وحكومة وشعباً ينتمي باكثريته الى خط 14 آذار، يعلمون ايضاً كيف يواجهون اية محاولة لتوريط لبنان. انه فارق كبير بين الرئيس سليمان الذي يمثل لبنان، والرئيس اميل لحود الذي مرّت حرب 2006 في عهده مشفوعة بالتهليل وكأنه متفرج في جاكرتا يراقب ما يجري في الشرق الاوسط.
إعلان لبنان الحرب على اسرائيل تضامناً مع غزة ممكن اذا ما قررت الحكومة باكثرية الثلثين وبمصادقة اكثرية مماثلة في مجلس النواب. أما الذهاب الى الحرب من دون التحضير لها فمعناه ان اللبنانيين سيذهبون الى انقسام أشد وأدهى مما عرفوه بعد جريمة 14 شباط عام 2005 وما تلاها من انقسام مرعب. ولن يجد الذاهب الى الحرب، اياً تكن ترسانته، عمقاً حكومياً وشعبياً. وكما قيل: "المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين".
لماذا هذا التوجّس الذي يخلق همّا لا يلوح في الافق اليوم؟
السؤال فريد من نوعه، لا يتخيل المرء انه مطروح في اي قطر عربي واسلامي، وكذلك يأتي الجواب ايضاً فريداً لا تعلمه الجماهير الغاضبة في كل مكان. انه لبنان الفريد من نوعه في المنطقة التي تزدهر فيها كمامات الاصوات. فالمرء يستطيع ان يتظاهر في دمشق او طهران ضد مصر والسعودية، فيما لا يحظى بهذا الحق اطلاقاً اذا اراد ان يتظاهر ضد السلطة في سوريا وايران. ولكن في لبنان هناك من تظاهر ضد مصر وتضامن مع غزة وهاجم السلطة وعاد في نهاية اليوم الى بيته لا يخشى لومة لائم.
هذا هو لبنان الذي عرفناه قبل عام 1975. ولكن لم تجر المحافظة عليه ويا للاسف فانصبت اللعنات على اللبنانيين من كل حدب وصوب ليصبح لعبة أمم واللاعبون هم اباء اللاعبين الحاليين.
ولا يزال الكثير من الاحياء يحملون في ذاكرتهم حكايات اعصار ذلك الزمان. كما لا يزال اللبنانيون بأسرهم يعانون ثمن حرب عام 2006. فمن لا يريد ألا يتعظ عليه محو ذاكرة اللبنانيين. وهذا موجود في الخيال فقط.