لأنّه كان صالحاً للبنان بإجماع لبناني وعربي وإقليمي ودولي ولأن إنقاذ غزة لا يحتمل تهوراً
الـ1701نموذجاً.. وشرطه وحدة الموقف السياسي الفلسطيني
هل يكون القرار 1701 الذي أنهى العدوان الإسرائيلي على لبنان في14 آب 2006 نموذجاً يحتذى به لإنهاء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة؟
إسرائيل و"حماس".. في لحظة معينة ….هذا السؤال طرح بقوة في الأيام الماضية من منطلقَين إثنين.
الأول هو أن إسرائيل لا بد أن تصبح في لحظة معينة بحاجة الى مخرج سياسي، على إعتبار أن لا شيء إسمه عمليات حربية لا نهاية لها، وعلى أساس أن سؤال ماذا بعد العمليات الحربية سيلحّ عليها، وهو أن "حماس" في المقابل ستكون في لحظة معينة بحاجة أيضاً الى مخرج سياسي لأن لا شيء إسمه "مقاومة" بلا إنقطاع أو بنية سليمة في قطاع مدمر وناسه "مضروبون".
الـ1701 لبنانياً
أما المنطلق الثاني لإستحضار الـ1701، فهو أن هذا القرار الدولي حظي في حينه بموافقة لبنان دولة ومقاومة، حكومة ومقاومة، وبموافقة النظام العربي ومؤازرته، وبموافقة إسرائيل، وبإجماع المجتمع الدولي. أي أن شيئاً لا يمنع "حماس" من الموافقة على ما سبق أن وافق "حزب الله" عليه في لبنان علماً أن إمكانياته كانت ولا تزال أكبر من إمكانياتها، وأن شيئاً لا يمنع إسرائيل من الموافقة على ما كانت وافقت عليه في الـ1701.
الفوارق بين لبنان 2006 وغزة اليوم
بيد أن عديدين يرون أن ثمة فوارق جوهرية بين الظروف التي قادت الى الـ1701 في 2006 وتلك القائمة اليوم في قطاع غزة.
في لبنان خلال حرب تموز 2006، كان هناك حكومة يشارك فيها "حزب الله"، أي كان هناك شرعية واحدة، وكان ثمة تفويض من "حزب الله" الى الحكومة بإدارة المعركة السياسية والديبلوماسية في مواجهة العدوان الإسرائيلي، ولم يحصل "الإنقسام" الداخلي إلا بعد ذلك. أما في فلسطين اليوم، فثمة إنشقاق سابق على العدوان الإسرائيلي وموازٍ له، ولا تفويض حمساوياً للسلطة بإدارة المعركة السياسية والديبلوماسية، و"حماس" التي ترى نفسها الشرعية الفلسطينية لا تحظى، فضلاً عن الخلاف "عليها"، بإعتراف عربي ـ دولي بها وبسلطتها في القطاع.
في لبنان خلال حرب تموز 2006 ومع نهاياتها، كان القرار 1701 يستطيع أن يعتمد لتنفيذه على جيش لبناني لا نزاع داخلياً بشأنه وعلى قوات طوارئ دولية موجودة على أرض الجنوب إنفاذاً للقرار 425، إتفق الجميع لبنانياً وعربياً وإقليمياً ودولياً على تعزيزها وسمّيت "اليونيفيل المعززة". أما في فلسطين، وفي غزة تحديداً، فليس هناك جيش فلسطيني، وحتى الشرطة فهي غير موحدة، كما لا وجود لـ"يونيفيل" ولا لأي قوات متفق عليها.
في لبنان خلال حرب تموز 2006 ومع نهاياتها، قضى القرار 1701 بأن تبسط الدولة اللبنانية عبر جيشها سلطتها وسيادتها في الجنوب حتى الحدود الدولية بـ"مؤازرة" القوات الدولية، وقضى بإنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح جنوب نهر الليطاني، وأكد حصرية السلاح في يد الدولة التي دعيت الى ضبط حدودها، حدود السيادة اللبنانية. أما في فلسطين، وفي قطاع غزة، فـ"بالكاد" يكون القطاع كله منطقة عازلة منزوعة السلاح، وحدود القطاع ليست الحدود الدولية للدولة الفلسطينية أو هي ليست "كل" الحدود، فضلاً عن أن الدولة الفلسطينية غير قائمة بالفعل.
..لكن المشكلة الفلسطينية هي العائق الوحيد
إذاً، في إعتقاد العديدين أن الفوارق بين ظروف لبنان في العام 2006 وظروف غزة الآن، تشكل معوّقات أمام إعتماد الـ1701 نموذجاً. غير أن عديدين آخرين يخالفون الإعتقاد السابق ويناقشون في مرتكزاته.
يرى هؤلاء "الآخرون" أن المشكلة التي لم تكن قائمة في لبنان في 2006 أثناء العدوان الإسرائيلي، والقائمة في الظرف الفلسطيني الراهن، أي المشكلة الفلسطينية ـ الفلسطينية، هي المشكلة الوحيدة التي تعترض إمكان التوصل الى "1701 ما" متفاوض عليه يوقف العدوان على غزة وعلى الشعب الفلسطيني.
قوات عربية أو عربية ـ إسلامية
ليس من مشكلة في عدم وجود قوات "تستلم" القطاع في الوقت المناسب، أي "تستلم" أمنه حيال إسرائيل. إذ أن تشكيل قوة عربية أو قوة عربية ـ إسلامية للقطاع يمكن أن يكون متيسراً. وليس من مشكلة في تحديد منطقة عازلة أو "ما يشبهها" متى اتفق الفلسطينيون فيما بينهم على مسألة السلاح ودور السلاح وحدود هذا الدور وأشكال "المقاومة". لكن في المقابل، لا شك أن عدم وجود وحدة سياسية فلسطينية هو المشكلة. هو المشكلة في جميع الأحوال. لكنه المشكلة أمام وقف العدوان فورياً.
"التدبير" المطلوب للعلاقات الفلسطينية
لذلك، لا مفرّ من التشديد على أن "تدبيراً" مناسباً للعلاقة بين "حماس" والسلطة الوطنية يجب أن يحصل. ثمة إتفاق سياسي مطلوب على "الحل" الذي يجب أن يوقف العدوان. وثمة إدارة للمعركة السياسية من الجانب الفلسطيني يجب أن يكون عليها إتفاق وتنسيق. وثمة تفاوض فلسطيني يجب أن يتم إذ لا يمكن "الإكتفاء" بـ"الصمود العسكري".
بكلام آخر، إن التوصل الى "1701 ما" أي الى "ما يعادل" الـ1701، ممكن بشرط "تدبير" سريع للعلاقة بين السلطة الوطنية و"حماس"، وهو "تدبير" سيكون مهماً جداً على طريق إستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، ووحدة الشرعية الفلسطينية.
من أجل وقف فوري للعدوان
من نافل القول إن النقاش حول "1701 ما" لقطاع غزة ينطلق من إعتبارات ليس من بينها إفتراض بأن "الجبهات" ستُفتح جميعاً في آن واحد ضد إسرائيل، أو أن من هدّد بإزالة إسرائيل من الوجود يُعدّ لذلك حقاً. ليس من بين الإعتبارات إفتراض كهذا لأن لا مقدمات له، ولأن إقتصار الأمر على مكان واحد هو لبنان لا يدفع الأذى عن فلسطين بل يجلبه الى لبنان، ولأن إنقاذ غزة وفرض وقف العدوان الإسرائيلي لا يحتمل خيارات "متهورة".
هل كان من المبكّر طرح هذا النقاش؟ ربما لأنّ الظروف لم تنضج بعد. لكن أسبوعاً إنقضى وغزة وأهلها تحت الدمار والدماء.. وهكذا نقاش ليس خارج "المنطق".