فكرة…
تكشف اللغة عن ساكبها يا أخوان. تحمل ذرّات الروح وخلاصة المشاهدة، وتراكم القراءة والمتابعة والتجربة وإعمال الحواس الخمس، وتعكس ترف القدرة على التصوير بالحرف، وخلاصة التراكيب في العقول، ان كانت هذه بالفعل مصدر "الحركة" في كل نواحي الكائن البشري.
وتطلق اللغة المكنونات المخفية، وتحوّل ذلك الشكل المدهش والبهي والجميل المسمّى قلباً، الى مفردات ومصطلحات معمّمة على الناس، فيها على ما يقول الثقات والفلاسفة والضالعون في الطب وعلم النفس، كل "اختلاجات" و"مشاعر" و"أحاسيس" ذلك المحرّك الدموي المزروع في الصدور.
يقولون على هامش ذلك، إن الإنسان استطاع ان يصنع قلباً كامل المواصفات، لكن ماهية الروح أكبر من كل علم، وأوسع من كل فن وإبداع، وأبعد مدى من قدرة العقل البشري على التخيّل… وفي هذا تحدٍ آخر يماثل التحدي الخاص بشكل الكون. إذ على الرغم من كل مآثر علوم الفضاء، والفيزياء النووية، والاختراقات الفظيعة في السماء والمجرّات، وكل الجهد الإنساني الخلاّق في السينما، وروايات الخيال العلمي، أو على الرغم من رحابة التفكير وإنطلاقه الى أقصى حدوده، من دون روابط ولا موانع، على الرغم من كل شيء، فإن أحداً فوق هذه البسيطة لم يستطع سابقاً ولا يستطيع اليوم ولا غداً ولا بعده، أن يصوّر أو يرسم شكلاً تاماً للكون الذي نحن ذرّة في مداه.
لا يمكن للعقل البشري "البسيط" أن يخترق حاجز المستحيل ولو في الخيال… نرى الفضاء، ونسبر أغواره (أو بالأحرى نتفرج على الآخرين وهم يفعلون ذلك)، وندرس كل جرم فيه، وكل حركة في المدى المنظور بواسطة التكنولوجيا، ولكن ليس أكثر.
ماذا بعد ذلك؟ أين ينتهي الكون؟ كيف يبدأ؟ ما هو شكله؟ دائري، مستطيل، مربع، مسدس، مُخمّس؟.. لا جواب، ولن يكون هناك جواب، لأن الذرّات المشكِّلة لأفحل العقول تبقى محدودة وقاصرة عن تصوّر اللامحدود وتخيّله، وعن رسم صورةٍ ما له، أي صورة.
تسليم فقط، بأن الله ربّ هذه الدنيا، هو الأول والآخر، الأزل والأبد، "وتحسب انك جرم صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر".
وجدت يا أخوان، بعد ذلك، أن شبهة التفلسف الطيّار والبسيط والبدائي، هي أفضل هروب من واقع الحال القائم، وأفضل حجّة ملتوية تتوسل الاحتيال لذلك… تسطيح بليد يدّعي اختراعاً لا ندّ له. بسيطة. لكنني في خضم ذلك، وجدت ان الفكرة دائماً أحسن من حامليها. العروبة أحسن من العرب، فيها فروسية وشعر وإبداع وكرم وشهامة إلخ وفيهم العجائب.. والاسلام أحسن من المسلمين، والمسيحية أحسن من المسيحيين، ونظرية آدم سميث التاريخية "دعه يعمل، دعه يمر" أفضل من حامليها في أسواق العالم الحر وبورصاته وشركاته المدمّرة… والوحدة أحسن من الوحدويين، ولبنان أحلى من اللبنانيين وأنقى، والشعر أحلى من الشعراء، والسينما أحلى من المشتغلين فيها، والمقاومة في موضعها أحسن من بعض المقاومين… الماركسية فقط أسوأ من حامليها وأشنع من منظّريها، هذا رأيي وأنا حر.
أما بعد ذلك، فقد اخترت في مطلع العام 2009، أن أجعل "الفكرة" بكيانها وحد ذاتها، أحلى من كاتب هذه السطور، ولا يضيرني ذلك في شيء، مثلما لا يضير الضوء في نزاعه مع العتم، أن تخرج أنواره متعرجة دائماً… والسلام!