سيناريو الفوضى يقتحم الساحتين الإقليمية والدولية لمؤازرة "حماس" إنتاجاً لتسوية بتوازن قوى إقليمي وليس فلسطيني
ماذا يفعل سعيد جليلي في بيروت بهذا التوقيت الاستراتيجي لإيران؟
كرر الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله قبل يومين المعادلة التي رفعها في حرب تموز 2006: لا تخافوا من انتصار المقاومة، بل من خسارتها، لأن المقاومة لا تنتهي، بل تصبح بلا ضوابط.
من فاته الإلتفات الى هذا الكلام المهم، لم ينتبه بطبيعة الحال إلى وجوب ربطه بأبعاد الكلام الذي عاد فأطلقه الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة أحمد جبريل المقيم في دمشق عن توجه لفتح كل الجبهات.
ومن تجاوز هذا الربط بين تحذير السيد نصرالله وبين توجه "سيّد" القواعد الفلسطينية المتفلّتة خارج المخيمات، لم يعر كبير انتباه لتعمّد سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران سعيد جليلي إلقاء خطاب ناري من أمام ضريح القائد العسكري السابق لـ"حزب الله" عماد مغنية، بالتزامن مع اجتماع ترأسه النائب أسعد حردان لكوادر الحزب السوري القومي الإجتماعي للبحث في مساعدة قطاع غزة "بكل الوسائل المتاحة"(وليس المباحة ).
ومن يدقق بهذه السلسلة المترابطة من المؤشرات، لا يعود متوجّسا من إمكان إقدام "حزب الله"على تحريك الجبهة الجنوبية التي أعلن السيد نصرالله أنها لا تنفع قطاع غزة لأن إسرائيل قادرة على التحرك عسكريا على جبهات عدة في آن، بل يقفز مباشرة الى استنتاج ما هو أدهى وأخطر على لبنان ودول "الإعتدال "العربي المتهمة "بالتآمر والتواطؤ والخيانة": الفوضى المضبوطة إقليميا، وفق الفيلم المرعب الذي عاشه لبنان وعدد من الدول العربية والأوروبية والغربية، بدءا بالعام 1984.
وبهذا المعنى، فإن "حزب الله" وإيران والنظام السوري دخلوا فعلا على خط مؤازرة حركة حماس في "حرب الصمود" في قطاع غزة، ولكن ليس من بوابة الجبهات التقليدية إنما من بوابة التهديد بسلوكية متفلتة من الضوابط، بحيث لا تكون فكرة الدولة المركزية في لبنان في خطر فحسب بل أيضا الإستقرار في عدد من الدول العربية ومصير رعايا ومصالح الدول الداعمة لإسرائيل أينما كان الى ذلك سبيلا.
ويُفترض في ظاهر الحال، أن يكون هذا التهديد، بغض النظر عن إمكانية تطبيقه نظرا لتداعياته المباشرة على كل من النظامين القائمين في إيران وسوريا، هو نقطة الثقل، وليس الميزان العسكري في قطاع غزة، في أي تفاهم ستحاول دول القرار بلورته، بدءا باليوم مع وصول الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي ترأس بلاده مجلس الأمن الدولي للستة اشهر المقبلة، إلى المنطقة.
وتأسيسا على هذا التهديد، وهو جدي للغاية في حال كانت الظروف الحالية توفّر له مقوّمات النجاح، يصبح مفهوما أكثر سبب إصرار قيادة "حماس" المقيمة في دمشق على أن تكون هي الطرف الفلسطيني المعني بأي مفاوضات لإرساء تسوية تُنهي حرب غزة وليس أي طرف آخر تتقدمه السلطة الفلسطينية برئاسة الرئيس محمود عباس.
وليس غريبا على الإطلاق أن تُسفر إيران عن وجهها بالدخول مباشرة الى قيادة جبهة دعم حركة حماس، لأنها تعتبر، وعن حق أن خسارة حماس (بغض النظر عن معايير الإنتصار الإلهي التي تقوم على أن الإستشهاد إنتصار والإنتصار إنتصار)، هي خسارة لآخر أوراقها التقليدية في صراعها المفتوح مع المجتمع الدولي، على تخوم تسلم الرئيس باراك أوباما لمقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأميركية من حيث يتجه الى إدارة حوار مع إيران وسوريا ولكن بموجب "الدبلوماسية الصلبة" التي كانت هي في أساس تدهور العلاقات بين دمشق وواشطن، قبيل اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005.
ذلك أن إيران بخسارتها ورقة حركة حماس بعدما خسرت ورقة الجنوب اللبناني بموجب معادلات القرار 1701 التي جعلت من جنوب نهر الليطاني مساحة مدوّلة غير قابلة للإستعمال في حال تمّ اتباع السلوكيات التقليدية، تكون عمليا قد أصبحت بلا أذرع تعينها على صد أي عدوان محتمل ضدها من جهة وتقوّيها في حوار "الدبلوماسية الصعبة "مع إدارة باراك أوباما، من جهة أخرى .
وعلى هذا الأساس، فإنه لا يبقى أمام إيران 2009 سوى العودة الى وضعية إيران 1984، من حيث تمكنت، على سبيل المثال لا الحصر، من الحصول على أسلحة أميركية في إطار ما سمي بفضيحة "كونترا غايت" على الرغم من علاقاتها المتردية للغاية مع الولايات المتحدة الأميركية.
وهذا السيناريو الكفيل بقلب معطيات المنطقة رأسا على عقب، يزعج إسرائيل والدول الداعمة لها وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، ولكنه في النتيجة، وكالعادة لا يُنهي سوى الدولة اللبنانية ولا يجر الويلات سوى على الشعب اللبناني الذي سيجد نفسه، مرة جديدة، ضحية دويلات هنا وهناك، وعاصمة مذبوحة وفاقدة للوظيفة، ومجتمع دولي يستجدي "راحة البال" بإعادة الإعتبار الى وكالة متجددة لدمشق التي يعرف العماد ميشال عون، تماما لماذا زارها ولماذا تحالف معها ولماذا يراهن عليها.
هل من خطة لمواجهة هذا المخطط الجهنمي؟
أسوأ الأجوبة عن هذا السؤال سيكون من دون شك التبرم، مرة جديدة من "التشاؤم".