الحرب طويلة
.. في جلسة حوار بين مجموعة من الإعلاميين والمفكرين كان محورها الحرب العدوانية ضد غزة برز رأيان، الاول، يعتبر أن الحرب لن تطول نتيجة بسالة الأهالي وصمودهم، وتحرّك الرأي العام العربي والاسلامي والعالمي، والذي سيكون له دور ضاغط وكبير، وإن اسرائيل لن تستطيع تحقيق أهدافها، وستفشل حتماً، واستشهد هؤلاء بالتظاهرات الضخمة التي عمّت العواصم العربية والاسلامية والدولية، معتبرين ان خروج تظاهرة في نيويورك مؤيدة للفلسطينيين لها رمزية كبرى يجب أخذها في الاعتبار، وكذلك خروج تظاهرة مليونية في تركيا لها أيضاً رمزية بالغة الأهمية.
أما الرأي الثاني فقد قلل من أهمية الرأي العام، معتبراً انه غير مؤثر على الاسرائيليين الذين اعتادوا ارتكاب المجازر، من دير ياسين حتى قانا، ولن يتورعوا عن ارتكاب المزيد من المجازر لتحقيق أهدافهم.
وفي تحليل الوقائع، أكد هؤلاء أن ما يجري اليوم هو رد على هزيمة العام 1967، حيث فشلت الأنظمة العربية وهزمت خلال ستة أيام، وأدى ذلك الى العودة الى الدين، واعتباره الوحيد الذي يستطيع إعطاء القوة لاستعادة الحقوق.
.. ولكن الخطير جداً أن التطرّف اليهودي أدى وتلقائياً الى تطرّف مقابل كرد فعل قوي، وربما مبرر، إذ ان اليهود الاسرائيليين هم الذين عمّموا منطق التطرّف وفي المجالات كافة.
والرأي الاول، وأيضاً في تحليل الوقائع، استشهد بحصار بيروت عام 1982 لمدة مائة يوم، في ظل عجز الرأي العام العربي والاسلامي والدولي عن ثني العدو الاسرائيلي ومنعه بعد ذلك من اجتياح بيروت وإجبار منظمة التحرير الفلسطينية على الخروج من العاصمة اللبنانية.
فيرد الآخرون من الرأي الثاني، بأنه في نهاية المطاف قاتل أهل بيروت، وأجبروا اسرائيل على الانسحاب من عاصمتهم.
وفي النتيجة، فان كلا الرأيين يحملان قواعد إقناع وإسناد، ولكن قد تكون النقطة المحورية بين الاثنين أن باع الاسرائيليين في ارتكاب المجازر طويل، وهم محترفو قتل وإبادة، ولن يثنيهم أي شيء عن تحقيق أهدافهم في الإبادة والاستيلاء على مزيد من الارض.
… والتطوّر الدراماتيكي في حرب غزة، وبدء الاجتياح البري، طرح تساؤلات عديدة، على رأسها السؤال المركزي، هل ستكون هذه الحرب طويلة، أم انها على وشك وضع أوزارها في وقت قريب؟
.. وفي قراءة متأنية لمجرى الأحداث هناك مؤشرات كثيرة على أن هذه الحرب ستكون طويلة، وان اسرائيل لا خيار أمامها سوى تحقيق الأهداف التي رسمتها، وقادتها يرون ان استعادة هيبة الردع لجيشها مسألة حيوية وأساسية لوجود الكيان.
… والتدخل الدولي لن يكون متاحاً له الضغط بما يلزم، والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي يأتي الى المنطقة للبحث في إمكان وجود حل، يدرك صعوبة الأمر جيداً، وهذا ما عبّر عنه وزير خارجيته برنار كوشنير عندما أكد صعوبة ايجاد حل سريع.
وفي هذا المعنى، فإن اسرائيل تعلن أن حربها ضد غزة قضية حياة أو موت، وقادتها يؤكدون ان هذه الحرب لن تنتهي إلا عندما تتحقق الأهداف، ويزعم هؤلاء ان الهدف الأساسي هو منع حركة "حماس" من إطلاق صواريخها على المدن والمستوطنات الاسرائيلية.
من هذه الزاوية تبدو مهمة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي صعبة جداً، خصوصاً ان اسرائيل لن توافق على أي مشروع حل إلا في إطار شروطها، ومن هنا أعلن رئيس الحكومة ايهود اولمرت، ووزير حربه ايهود باراك أن هذه الحرب ستكون طويلة، وان الجيش الاسرائيلي مستعد لذلك مهما طال الزمن.
… ولكن، السؤال الكبير هو، هل أهل غزة قادرون على تحمّل القصف الكثيف والحصار الذي يمنع عنهم الغذاء والدواء طويلاً؟!
.. إن صمود أهالي القطاع اسطوري وبطولي على المستويات كافة، ولكن مع ذلك، فهل انعدام كل أسباب الحياة للاطفال والشيوخ وحتى للشباب ولمدة طويلة يؤهلهم لمزيد من الصمود؟!
قطعاً، ان وضع أهالي غزة مختلف تماماً عن وضع "حزب الله" في حرب 2006، أولاً، لان الجنوبيين وجدوا ملاذاً آمناً في كل لبنان، وطرق التموين بقيت سالكة، وظروف الحرب والارض تختلف عن غزة، ولا يجوز أبداً المقارنة بين الحرب على لبنان والحرب على غزة لجهة الامكانات والوضع الجغرافي.
وإذا كانت حرب لبنان اقتضت 33 يوماً، فإن حرب غزة يبدو ان لا افق لها على الاطلاق، مع اننا نتمنى وبشدة ان تفشل اسرائيل في تحقيق أهدافها.