#adsense

ممانعون

حجم الخط

ممانعون..

تطحن الروح وبقاياها جريمة غزة يا إخوان، وتيبّس أوردة المنطق، وتدفعها الى الانحناء قبالة الغضب والشعور المرير بالعجز المزدوج: أمام وقاحة الجلاّد من جهة، ورعونة الممانعين عن بعد، من جهة ثانية

فيلم قديم بنسخة جديدة، شاهدناه سابقاً في لبنان أكثر من مرة، أفظعها وأمرّها كانت في اجتياح العام 1982، حيث يتذكر كثيرون في هذه الدنيا، أن الآلة العسكرية الإسرائيلية فعلت آنذاك كل شيء، كل شيء حرفياً، للقضاء على البنيان العسكري والتنظيمي والوجودي لمنظمة التحرير الفلسطينية ونجحت في ذلك رغم أن العالم كان عالمين، واحدا بزعامة الولايات المتحدة، وآخرَ بزعامة الاتحاد السوفياتي على رأس المعسكر الاشتراكي… المرحوم.

صراخ التظاهرات حينها ملأ الدنيا وشوارع عواصمها.. من المنطقة العربية الى أوروبا الى أميركا وصولاً الى تل أبيب نفسها حيث جرت فيها أكبر تظاهرة في تاريخ إسرائيل احتجاجاً على اجتياح لبنان. لكن هل غيّر ذلك في مسار الأمور شيئاً؟ أبداً. لم تحضر قوافل وجيوش "جبهة الصمود التصدي" الميمونة كما تذكرون، كما لم تصل معونات الأخ الأكبر في موسكو، ولا حتى من توابعه في كوبا مثلاً…

مئة يوم، نفّذت إسرائيل خلالها، وبكلفة باهظة، ورغم تصدٍّ أسطوريّ في بعض محطات القتال، خصوصاً في خلدة والمتحف، ما وضعته من أهداف لحملتها وأخرجت المسلحين الفلسطينيين من الجنوب وبيروت، فيما تكفّل غيرها (لاحقاً) في إخراج من بقي منهم في مناطق لبنانية أخرى، خصوصاً الشمال.

تلك النسخة، في هذا الفيلم الطويل، شاهدنا مثلها تقريباً في أوقات لاحقة، وفي كل مرة، كانت "اللقطات" تتكرر بتتابع مدهش ومثير في تشابهه: الصراخ والتظاهر ومواويل الردح، والوعود العرقوبية بتلقين إسرائيل درساً لا تنساه، وبتحويل الأرض التي يطأها جنودها الى مقابر مفتوحة لهم… إلخ. غير أن هذه المرة يا إخوان، تبدو السيرة مختلفة في بعض تفاصيلها.

ليس أمراً بسيطاً أن يتمكن المقاومون في غزة من مقارعة الإسرائيليين بهذه البسالة، فيما الممانعون عن بعد يصبّون كل جهودهم أو جُلّه في مواجهة عرب آخرين… وكثيرون جداً، من الممسمرين أمام شاشات البث المباشر، تجمّد الدم في عروقهم نتيجة المستوى الذي وصل إليه كلام هؤلاء، وقدرتهم العجيبة على خلط الأمور وتوعّد "المتخاذلين" و"المتواطئين" و"المعتدلين" بالمحاسبة بعد غزة!

بعضهم قال، إن على الآخرين، أي المصلوبين بكل التهم المعروضة سلفاً، ان يخافوا من المقاومة إذا خسرت وليس فقط. إذا ربحت، لأنه حينها لن تكون هناك ضوابط وسدود وموانع (في وجه من وأمام ماذا؟ لم نعرف بعد)… بعض آخر، أكد وحسم أن خريطة المنطقة برمتها ستُرسم من جديد، ولن يكون فيها منطق آخر غير منطق المقاومة.

الأول اختزل التاريخ، واعتبر سلفاً أن كل معارض لسياساته وحساباته ومنطقه، حتى لو كان مقاوماً أباً عن جد وقبل أن تولد كل هذه "المقاومات"، هو عدو موعود مرشح على لائحة تصفية الحساب معه. هكذا دفعة واحدة ومن دون أي رتوش.. وحده وربعه هم أعداء إسرائيل وكل الباقين "خونة". وحده وربعه حزانى على غزة وإهلها وكل الباقين "متواطئون" وشامتون. وحده وربعه يعرفون أصول وفنون التصدي لإسرائيل، وكل الباقين "متآمرون" معها.

تختلف معه في السياسة، فيطعنك في أقدس وأنبل مشاعرك وأحاسيسك ورؤاك.
لكن "تفاصيل بسيطة جداً"، غابت عن كلامه وعن كلام رسّام الخرائط الجديدة الموعودة للشرق الأوسط، من بينها أنهما لم يحددا لنا، أين تبدأ قائمة الممانعين وأين تنتهي وأين تبدأ قائمة المقاومين وأين تنتهي؟

"تفصيلان" مهمان. إذ إن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي كان في إيران بالأمس، مؤكداً متانة العلاقات معها، فيما كان نظيره التركي رجب طيب أردوغان يتولى الإعلان عن تعليق المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل، وذهب وزير خارجيته علي باباجان الى القول إن سؤالاً واحداً فقط كان لا يزال يعترض تحول تلك المفاوضات الى مباشرة، وأن الهجوم على غزة عطّل أو علّق ذلك الاختراق التفاوضي الباهر.

أعيدوا في ضوء هذين المعطيين يا إخوان، رسم خريطة الممانعين والمعتدلين، والمقاومين والمساومين بدقة، ثم أخبرونا بعد ذلك، ماذا تنوون بعد غزة؟

لكن قبل هذا وبعده وفوقه وتحته، ومرة أخرى وإلى الأبد: رحم الله شهداء غزة الأبرار، وحمى شعب فلسطين من بعض أصدقائه. وهو كفيل، كما كان على مرّ التاريخ، بأعدائه!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل