#adsense

علامة فارقة… بكل حذر

حجم الخط

علامة فارقة… بكل حذر!

ثمة ظاهـــــــرة لافتة برزت في المشهــــــد اللبناني المواكب للمحرقة الاسرائيلية في غزة منذ عشرة أيام من شأنها ان تدخل معطيات جديدة كلياً على الواقــــــع الداخلي في حال "صمودها" أقله من حيث تبديل المــــعايير القديمة في تقويم أي حدث بمثل هذه الخطورة يهدد لبنان بانعكاســـــاته وتداعياته ولــــو لم يتمدد الى أرضـــه مبـــاشـــرة.

بطبيعة الحال لا يتصل الامر بتوزيع شهادات حسن سلوك في الانفعال والتفاعل والتضامن مع الفلسطينيين في غزة. فاللبنانيون في النهاية هم "المنافسون" و"الشركاء" الحقيقيون للفلسطينيين في معاينة طويلة مديدة للعدوانية والمحارق والمجازر الاسرائيلية، ولا يمكن تصور أي فريــــق لبناني ساعيا الى "مكافأة" قوميــــة إن هو شهد للحقيقة والحق في مواجهة هذه العدوانية التي تتفجر الآن في الحرب على غزة بواحدة من أعتى وجوهها الدموية.

لكن الامر يتجاوز الانفعال مع المجزرة الى التقويم السياسي لظروف تفجير الحرب الذي يضع على المحك القوى السياسية اللبنانية في معسكري الفرز القائم منذ عام 2005 في أول اختبار من نوعه بعد حرب تموز 2006.

فرغم كل شيء، ورغم الحذر الشديد الذي يفرضه التفاوت القائم بفعل الانتماءات والارتباطات والولاءات المتباينة والمعروفة، لا يمكن تجاهل نقطة ايجابية ومهمة في مسار رصد مواقف القوى اللبنانية المختلفة التي أظهرت حتى الآن وللمرة الاولى أعلى منسوب معقول نسبيا في التزام سقف متقارب حيال الظروف الموضوعية لتفجير هذه الحرب، بدليل ان معارك المحاور الاقليمية المتفجرة اعلاميا وسياسيا وديبلوماسيا كرديف ملاصق للهجوم الاسرائيلي على غزة لم تحدث في لبنان هذه المرة ما كان يخشى من حدوثه، وظلت مفاعيلها تحت الضبط اكثر من أي تجارب سابقة.

أغلب الظن ان هذه الظاهرة تعزى الى إدراك سائر القوى مدى عبثية التورط مجددا في تدفيع لبنان ثمن الحروب المباشرة او الحروب بالواسطة فيما سائر الآخرين، من عرب واقليميين ودوليين، يعملون على تقاسم استباقي لكعكة موعودة على مسرح جديد تخلفه الحرب الاسرائيلية على غزة. ولكن ثمة ما هو أبعد من ذلك، مما بدأت ترسمه الحملة البرية الاسرائيلية الثانية بعد الحملة الجوية، وهو أن وقائع هذه الحرب تثبت بما لا يقبل جدلا أنها انفجرت وانطلقت وتستمر بتوقيت اسرائيلي خالص ولأهداف اسرائيلية خالصة مهما ساهمت في إذكائها عوامل رديفة من هنا وهناك.

لا ينطبق على هذه الناحية الحساسة والجوهرية في هذه الحرب ما سبق ان أثير ولا يزال مثاراً حول حرب تموز 2006 على لبنان التي وقعت على المشهد الداخلي وقع الصاعقة وساهمت في تأجيجه لاحقا مخلفة انفجارات عنقودية نجحت اسرائيل في زرعها مثلما خلفت وراء احتلالها ملايين القنابل العنقودية، كما ساهمت قوى اقليمية أخرى في توظيفها واستغلالها نظراً الى هشاشة الجبهة الداخلية اللبنانية وضعفها المزمن أمام كل نزعة خارجية الى التلاعب بالتركيبة اللبنانية.

فالوقائع الحربية على الارض، والمواقف والمعطيات الاسرائيلية المعلنة على ألسنة القادة الاسرائيليين وفي الصحافة الاسرائيلية، كلها كافية بذاتها لتوفر على الوسط السياسي اللبناني تكرار تجربة عبثية مدمرة يُدعى الفلسطينيون أنفسهم الآن الى تجنب الانزلاق في مثلها، على غرار ما دعاهم اليه وليد جنبلاط.

والوسط اللبناني لا بد من ان يكون قد أدرك عقم الهجوم على أي محور عربي او الدفاع عنه، فيما المشهد العربي في أسوأ منزلقاته وتجلياته على الاطلاق منذ نشوء النزاع العربي – الاسرائيلي. فكيف حين تقول اسرائيل نفسها مباشرة ومواربة بالآلة الحربية وبالوقائع المعلنة انها تشن حربها لحسابها الانتخابي الخالص ولأهداف انتخابية واستراتيجية اسرائيلية خالصة ولا تطلب "معونة" أحد، بل تفرض هذه الحرب الاستباقية أمراً واقعاً حتى على حلفائها المعلنين والمضمرين؟

شيء من هذا الوعي اللبناني الموحد لدوافع الحرب وتوقيتها وأهدافها بدأ يتصاعد حتى الآن على الاقل فوق المحرقة، وهو ليس أمرا عاديا او عابرا، فغالبا ما كان لبنان ينزلق الى المهاوي بفعل الظن وحروب النيات وحروب التفسيرات بالوكالة عن غيره وبالأصالة عن نفسه !

المصدر:
النهار

خبر عاجل