#adsense

لا فروق كبيرة .. ولا حتى “دروس مستفادة” بين عدوان تموز على لبنان والعدوان على غزة

حجم الخط

لا فروق كبيرة .. ولا حتى "دروس مستفادة" بين عدوان تموز على لبنان والعدوان على غزة

تبدو الفروق كبيرة بين العدوان الاسرائيلي على غزة في هذه المرحلة والعدوان المماثل على لبنان العام 2006 . لكن الذي يفقأ العين، في أي حال، هو أن حركة "حماس" لم تتعلم من دروس الحرب اللبنانية ولا من تجربة "حزب الله" فيها. ففيما قال الحزب علنا، وقالت معه اسرائيل، على امتداد عامين كاملين، ان العدو ينتظر أن تسنح له "فرصة" ينتقم فيها مما أصابه من "اخفاقات" في الحرب الأولى، لم تفعل "حماس" في الواقع الا أنها وفرت له هذه الفرصة. واذا لم تكن محل نقاش، لا وحشية هذا العدو ولا أطماعه (خصوصا في فلسطين) ولا طاقة أسلحته على اراقة الدماء والفتك بالمواطنين الآمنين، يكون قرار "حماس" انهاء ما وصف بـ "التهدئة" أشبه باستدعاء الدب الى الكرم كما يقال في أمثالنا الشعبية.

ذلك أن نظرة واحدة الى الوراء تكشف جملة من " التماثل " بين العدوانين على الشكل التالي:
أولا: تم خطف الجنديين الاسرائيليين من داخل الخط الأزرق في جنوب لبنان، وتاليا العدوان التدميري الواسع على لبنان كله، في أعقاب خطف الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليط في قطاع غزة وفي حمأة حملة اسرائيلية، عسكرية وأمنية وسياسية، في القطاع وخارجه بهدف اطلاق سراحه.
وحاليا، فمأزق اسرائيل في مواجهة صواريخ "حماس" و "الجهاد الاسلامي" من جهة وازاء وضعها المأزوم، داخليا بالعجز عن تشكيل حكومة بعد استقالة رئيسها والدعوة الى انتخابات مبكرة، وخارجيا تجاه المشروع النووي الايراني، من جهة ثانية، انما يجعلان من قرار انهاء "التهدئة" وكأنه أشبه بهدية مجانية … لعدو أثبت على الدوام أنه لا يحتاج الى ذرائع لتأكيد عدوانيته.

ثانيا: ترافقت عملية "حزب الله" في العام 2006 مع شيوع نظرية سقوط المشروع الاميركي، بعد سلسلة الهزائم التي لحقت به في العراق، وتاليا توقع عدم قدرة كل من الولايات المتحدة واسرائيل على الرد بفتح جبهة جديدة في لبنان أو في غيره.

وفي حالة غزة راهنا، فالنظرية نفسها قد سادت كما يبدو في الفترة التي سبقت العدوان، وهذه المرة تحت شعار عجز الدولتين اياهما عن الفعل: أولاهما بسبب المرحلة الانتقالية بين رئيس يستعد للرحيل وآخر يتهيأ لتسلم مهماته، وثانيتهما نتيجة استقالة الحكومة وانشغال المسؤولين فيها بترتيب مستقبلهم السياسي في الانتخابات المقبلة.

ليس الهدف هنا الحديث عن فشل المشروع الأميركي، فربما يكون قد سقط بالفعل، الا أنه بالنسبة الى الرهان على العجز الاسرائيلي عن الرد، فما تقوله بصوت عال دماء الضحايا الأبرياء من أهالي غزة هو أنه، كما ثبت خطل مقولة العجز في الحالة اللبنانية قبل أكثر من عامين، يثبت خطلها في الحالة الفلسطينية كذلك الآن.

ثالثا: أيا تكن المحصلة النهائية للمغامرة الجديدة، وربما حتى مقولة "لو كنت أعلم"، فنهر الدم القاني من أبناء غزة أغلى من دون ريب من كل "انجاز" سياسي تحققه قيادة "حماس" في مواجهة العدوان الاسرائيلي فضلا عن أي "انجاز" آخر تحققه في مواجهة قيادة السلطة الفلسطينية في رام الله.

ذلك أن أي "1701 فلسطيني"، أو "تفاهم نيسان غزاوي" ـ كما بدأت تشيع أجهزة اعلام ما يسمى بـ"جبهة الممانعة والمقاومة" ـ لن يقدم الى الشعب الفلسطيني أكثر مما قدمه كلاهما الى الشعب اللبناني بعد ذلك: المزيد من الدماء بين أطفال الشعب الفلسطيني ونسائه وشيوخه، والمزيد من الشرذمة في الصف (ولم يعد صفا واحدا ؟!) الفلسطيني. والدليل على ذلك ما شهده لبنان، دولة وحكومة وشعبا، بعد عدوان تموز/ آب العام 2006، ولا يزال يشهده حتى الآن. ويعرف الفلسطينيون، ربما أكثر من غيرهم على امتداد المنطقة والعالم كله، تداعيات هذا المشهد اللبناني على الدولة والنسيج الاجتماعي معا وفي وقت واحد.

… بل وأكثر من ذلك، المزيد من الدمار في العقل العربي ازاء مسار القضية المقدسة وهي بين أيدي أهلها، والمزيد من الشرذمة في الصف الرسمي (ولم يعد بدوره صفا واحدا ؟!) على مستوى الأنظمة والحكومات.

الى أين من هنا ؟!.
الى محاولة القول ان أقصى ما يمكن التشبث به في المرحلة الراهنة، والوضع العربي على ما هو عليه من وهن على مستوى الفعل (أساسا بسبب التعارض في المواقف)، هو عاملا القوة شبه الوحيدين في مواجهة اسرائيل ومخططاتها العدوانية الكبيرة من جهة وفي وجه دول العالم المتعاطفة معها والداعمة لها من جهة ثانية.

هذان العاملان هما العمل على حفظ الدم الفلسطيني، باعتباره كان على الدوام ولا يزال للآن قوة الدفع الأولى والأكثر صلابة لابقاء القضية المقدسة حية ونابضة، وسوى مشروع السلام العربي الذي أقر في قمة بيروت العام 2001 وأعيد تكريسه في قمة الرياض العام 2007.

وليس من السذاجة في شيء اعتبار أن الدم الفلسطيني الواحد هو الضمانة في النهاية للموقف الفلسطيني الواحد، مهما بدا هذا الموقف متباينا ومتشرذما في الوقت الراهن، وأن ما يمكن أن يقدمه الآخرون ليس أكثر من تظاهرات تعاطف مع غزة وتنديد بالعدوان عليها في عدد من المدن والعواصم، وأن مشروع السلام العربي كان ولا يزال موضع التقاء عربي وأوروبي أيا كان الموقف الاسرائيلي منه.

رحم الله شهداء غزة، وكل شهداء القضية الفلسطينية على امتداد أربعين عاما من نضال هذا الشعب من أجل استعادة حقوقه الوطنية المغتصبة واقامة دولته المستقلة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل