غزة: السؤال المؤلم
الهجوم البري الاسرائيلي على غزة يمثل المرحلة الثانية من الحرب. واذا ما قيض للاسرائيليين ان ينجحوا في تقطيع اوصال القطاع، وعزل التجمعات السكنية الكبرى، فضلا عن خلق منطقة عازلة بين القطاع والاراضي المصرية، فسيكون جرى حشر مئات الآلاف من الغزاويين في معازل محاصرة، تذكرنا بغيتوات اوروبا في الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي. وبذلك تكون بطولات المدافعين عن القطاع من "حماس" وسائر الفصائل ضاعت مع اقتراب موعد وضع الحلول على طاولة المفاوضات في العواصم العالمية الكبرى. وبالنتيجة تكون حرب غزة 2009 التي انزلقت اليها "حماس" ادت الى تثبيت وضع جديد يريح الاسرائيليين، عبر وضع القطاع تحت الرقابة الدولية، ومحاصرة "حماس" في مساحة سياسية ضيقة بعد تعطيل ورقتها العسكرية الى اجل غير مسمى، وقصرها على الجانب السياسي. وهذا بالتحديد ينبغي ان يدفع القوى الفلسطينية الى اعادة النظر في علاقاتها الداخلية، والبحث جديا في استنباط قرار وطني مستقل، يخرج القضية من دائرة التوظيف الخارجي، وخصوصا الايراني الذي اراد في السنوات الاخيرة الانقضاض على الورقة الفلسطينية بهدف تحقيق اخطر اختراق للمشرق العربي بنظامه الاقليمي.
وإذا كانت طهران نجحت في اطار معين في تثبيت موقعها اللبناني عبر اداتها المحلية المتمثلة بـ"حزب الله "، فإن الواقع الفلسطيني، وخصوصا عندما يتعلق الامر بالاصطدام مباشرة بالاسرائيليين والنظام العربي الاقليمي في آن معا، يكون مختلفا. فالخطأ الكبير الذي وقعت فيه "حماس" قبل هذه الحرب انها استولت على الارض بالقوة عبر تنفيذ انقلاب عجز عن الاستحواذ على اعتراف العالم، فانكشفت وكشفت معها قطاعا يعيش فيه اكثر من مليون ونصف مليون مواطن لا حول لهم ولا قوة في لعبة الصراع الاقليمي الذي انخرطت فيه "حماس" بجناحها الايراني – السوري .
ثم كان الخطأ الكبير الآخر بالاصطدام مع الدولة العربية الاكبر و الجارة الوحيدة، أي مصر، ضمن قراءة قاصرة جدا للواقع المصري الذي يفصل بين قضاياه الداخلية، ومحاولة طرف خارجي أكان ايرانيا، أم فلسطينيا ام لبنانيا، الدخول على خط المعادلة الداخلية.
واليوم، بما ان الوقت لم يعد للملامة، يبقى المهم البحث اولا وآخرا في الحلول السياسية التي ستوضع على الطاولة خلال الايام القليلة المقبلة، اي بعد ان يكون الاسرائيليون انجزوا تقدما حقيقيا على الارض (ان استطاعوا)، يمكنهم من الوقوف عند "اسوار" التجمعات السكانية الغزاوية للتفاوض على ارواح اهل غزة وحياتهم… قبل "حماس" نفسها. و للذاكرة، فإن بيروت لم تسقط عام 1982، وانما خرجت منها منظمة التحرير من اجل اهل بيروت!
في نهاية الامر سيستقر الوضع على اتفاق سياسي – امني بضمانات دولية – عربية تخرج منها اسرائيل بحصاد مشابه للقرار 1701، مع فارق اساسي هو ان "حماس" بعكس "حزب الله" المتمترس خلف طائفته، ستتعرض لمساءلة الناس بدءا بادارتها انفراديا لـ"دولة غزة" اكثر من سنة ونصف سنة، وانتهاء بالتورط في الحرب الدموية الحالية التي ستفضي في مطلق الاحوال الى تعطيل ورقتها العسكرية الى امد بعيد!
والسؤال المؤلم: هل يجوز تدمير غزة على رؤوس اهلها كرمى لـ"ولاية الفقيه" في قم؟