هدير…
لم يطمس هدير الطائرات الحربية الاسرائيلية ولا المجازر الفالتة بحق أهل غزة، هدير أبواق بعض الممانعين عن بُعد يا إخوان. فظلت هذه على وتيرتها تهدد بإحراق الاخضر واليابس والطري والناشف تحت أقدام "المراهنين" على الاحتلال وقدرته على هزيمة المقاومة.
نار لا تنطفئ ولا تهدأ، وذلك البعض باق على "حالته" الاولى، ضارباً بالطول والعرض، مختزلاً التاريخ والجغرافيا بكيانه هو وسياساته وقراراته و"إنجازاته" و"انتصاراته" و"فتوحاته" الاولى من نوعها في تاريخ الامة… لم يزعزع هدير صراخ أطفال غزة ونسائها وكهولها ورجالها شيئاً في إيمان ذلك البعض بذاته، ولم تزعزع المجازر الفالتة من كل عقال ورباط يقين ذلك البعض بأنه الديّان صاحب الميزان، والاستمارات التي يعبئها بنفسه: خط الممانعة والمقاومة واضح. خط المهادنة والمساومة أوضح. وبينهما لا مجال لشيء آخر، أياً يكن ذلك الشيء. أنت معي هذا هو المطلوب ونقطة على السطر. أنت ضدي فأنت عميل ونقطة على السطر أيضاً.
أحدهم يا إخوان، لم يكتف بمصادرة الماضي، وتسويق حملة البلف والتزوير وتشويه الحقائق بعد حرب تموز 2006 من أجل أهداف سياسية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بتلك الحرب ولا بأسبابها ولا بنتائجها… فذهب الى المستقبل: كل من يُصوِّت في الانتخابات النيابية المقبلة ضد المقاومة وخطها، فإنما يكمل ما بدأته اسرائيل في حرب تموز تلك!
هكذا، إذن حتى في الانتخابات النيابية، أنت موضع شبهة وفحص دم واستفهام حتى يثبت العكس. أي حتى يتأكد جماعة "عذراً سوريا" من إحكام قبضتهم على كل شيء في مشروع الدولة اللبنانية غير المنجز حتى الساعة. وتبعاً لذلك، إذا قرر مثلاً، أهل عكار أو طرابلس أو البقاع الغربي أو جبيل أو المتن أو بيروت ان لهم صوتاً لا يماثل ويوالي صوت الممانعين عن بعد ولا يعوّلون كثيراً على "قدراتهم" و"حكمتهم" لتسليمهم حاضرهم ومستقبلهم فهم جميعاً إذن داخلون حكماً في خانة الاسرائيلي. صدر الحكم سلفاً ولا ضرورة للمراجعة!؟
بعض آخر، من الصنف الممانع نفسه، لكن مع زيادة حبتين في فنون التزوير والتأليف والترخيص والتخبيص والتفنيص، لم تزعزع مجازر غزة شيئاً في يمينه ولا يسراه. فدأب ومنذ اللحظات الاولى للعدوان على لعب أدوار أكبر منه بكثير: المحذّر والمنبِّه والمهدِّد والمهوِّل والشاتم. طبعاً لم يذهب هديره باتجاه اسرائيل وإنما باتجاه قوى الرابع عشر من آذار، باعتبارها "منتج اسرائيلي" حسب القول الشهير لمعلمه الممانع الاكبر عفواً المفاوض الاكبر مع الاسرائيلي على ضوء مصابيح جسر البوسفور…
هكذا دفعة واحدة وعلى النسق ذاته الذي شهدناه منذ أكثر من ثلاث سنوات: تعليبات تفتيتية تزويرية تشويهية، افترائية كيدية، فتنوية من أولها الى آخرها، تُباع باعتبارها زبدة الفكر الممانع والمقاوم وصفوته وكل عصيره.
ما كان الظن، بأن لاسرائيل كل هذه القدرات المخبأة… وما كان الظن ان من يدّعي محاربتها ومقاومتها ويتوعدها بالابادة، هو نفسه يعينها، من دون قصد، على العرب وبنيانهم ومجتمعاتهم وطوائفهم ودولهم وتاريخهم… ما كان الظن أبداً، ان اسرائيل هذه مسترخية الى هذا الحد حيال احتمال رد فعل عربي اسلامي جامع ضدها، لأنها تعرف انها تستطيع الاتكال على غيرها في نخر ذلك الاجماع ضدها وفي تصديعه تحت شعار محاربتها.
من جديد، ما كان الظن، ان دماء أهل غزة رخيصة الى هذا الحد عند البعض… رَحِمَ الله شهداءها الابرار.