إسرائيل تُعدّ لهجوم جوي على قواعد جبريل في لبنان
رفعت التطورات الامنية على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية والتي تمثلت بقصف صاروخي مجهول من لبنان ردت عليه تل ابيب بقصف مدفعي محدود، مستوى التوتر على طرفي الحدود بالرغم من مسارعة "حزب الله" والفصائل الفلسطينية التي يشتبه بتورطها الى نفي مسؤوليتها عن اطلاق الصواريخ، واكتفاء اسرائيل برد مدفعي محدود والتقليل من اهمية هذا التطور الذي لا يبرر فتح الجبهة الشمالية مع لبنان على احتمالات الحرب والتصعيد.
وتعود اسباب التوتر الى الخطاب التصعيدي والتهديدي بين "حزب الله" واسرائيل، لاسيما في ضوء ما اعلنه امين عام الحزب السيد حسن نصرالله من ان كل الاحتمالات قائمة ومفتوحة ردا على ما تقوم به اسرائيل ضد غزة، وهو التصريح الذي لم يفصل عن موعد اطلاق الصواريخ من الجنوب اللبناني على اسرائيل غير ساعات.
واذا كانت اسرائيل تحدثت عبر مصادر عسكرية عن استبعاد علاقة "حزب الله" المباشرة بإطلاق الصواريخ، فإن الانظار اتجهت نحو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة المحمية من سورية، وقد اكد ديبلوماسي اسرائيلي في العاصمة اليونانية ان الجبهة المذكورة هي التي اطلقت عدداً من صواريخ الكاتيوشا فجراً على مستوطنات اسرائيلية في الجليل الاعلى، وان تل ابيب تحمِّل هذا الفصيل الفلسطيني المنتشر في عدد من المناطق اللبنانية مسؤولية الحادث وتحتفظ لنفسها بحق الرد على قواعده في جنوب بيروت "الناعمة" وفي مرتفعات "قوسايا" في البقاع الاوسط متى رأت ذلك ضرورياً، في حال تقاعس الحكومة اللبنانية عن واجباتها في منع مثل هذه الاعمال.
وقال احد نواب البرلمان الاوروبي لـ"السياسة" نقلا عن الديبلوماسي الاسرائيلي انه "لا يمكن لا للجبهة الشعبية ولا لغيرها من الفصائل الفلسطينية الوصول الى المكان الذي اطلقت منه الصواريخ إلا بمساعدة "حزب الله" وعلمه المسبق، رغم اعلان وزير الاعلام اللبناني ان قيادة الحزب ابلغت الحكومة بأن لا ضلع لها في هذه العملية.
واعتبر النائب الاوروبي ان اتهام الرئيس الاسرائيلي شيمون بيريز "الجبهة الشعبية"، بقيادة احمد جبريل المقيم في دمشق، بإطلاق الصواريخ يكتسب اهمية استثنائية قد تجري ترجمتها خلال الايام القليلة المقبلة بتوجيه ضربة جوية اسرائيلية لقواعد جبريل في لبنان مع الاخذ في الحسبان احتمال تدخل "حزب الله" ما من شأنه اشعال الجبهة الشمالية الاسرائيلية.
في موازاة هذا الموقف الاسرائيلي نقل النائب الاوروبي لـ"السياسة" ايضا عن اوساط رسمية وحزبية لبنانية معارضة لتصعيد حسن نصرالله الموقف بإيمائه ان حزبه مستعد لفتح الجبهة اللبنانية العسكرية لتخفيف الضغط الاسرائيلي عن حليفه الفلسطيني في قطاع غزة، وقالت الاوساط "ان لا احد يستطيع اختراق الوجودين العسكريين الدولي واللبناني في المناطق المحاذية لمقر قيادة "يونيفيل" في الناقورة دون علم ومساعدة "حزب الله" الذي مازال يقيم بعض قواعده هناك رغم القرار 1701 الذي يمنعه من ذلك، وبالتالي فإن على قيادة هذا الحزب الالتزام بالقرار الدولي وتوجيهات الحكومة وقيادة الجيش اللبنانيتين، وإلا عرَّض لبنان لكارثة حربية اسرائيلية جديدة اشد هولا هذه المرة من كارثة تموز 2006 ومما يجري في قطاع غزة".
وفي بيروت، قال احد كبار رجال الدين الموارنة تعقيبا على ما ورد في خطابات نصرالله من تحريض لإدخال لبنان في حرب موازية للحرب على حركة حماس في غزة: "انه لن يغمض جفن لنصرالله قبل ان يدمر هذا البلد على رأسه ورؤوس اهاليه، كما لا يغمض جفنا محمود احمدي نجاد وبشار الاسد وكأنه يتعمد استدراج العدو الاسرائيلي لذلك انتقاما من الشعب اللبناني الذي يعارض خططه الخارجية ومطامعه الداخلية في السيطرة على لبنان، والدليل الاوضح على ذلك هو انه بإعلانه ان "كل الاحتمالات قائمة ومفتوحة مع اسرائيل"، استجلب القصف الاسرائيلي المدفعي على شمال بلدة الناقورة الجنوبية ردا على اطلاق صواريخ كاتيوشا من اراضينا في محاولة مقصودة لإجبار اللبنانيين على خوض حربه التي يبدو انها مطلوبة منه بإلحاح وبسرعة".
واعرب الاسقف الماروني لـ"السياسة" في اتصال به من لندن عن مخاوفه "من ان يكون اللبنانيون اصبحوا امام واحد من خيارين لا ثالث لهما: اما ان ننتفض في وجه عمليات الاجبار والقهر هذه وفي وجه غطرسة "حزب الله" التي فاقت كل الحدود وتجاوزت كل خطوط العيش المشترك الحمراء، وبذلك نكون ساهمنا مكرهين في خراب بلدنا مرة اخرى، او ان نحزم حقائبنا ونرحل عن بلدنا، إلا اننا نؤكد للجميع انه في حال بلوغنا هذين الخيارين، فلن يكون امامنا سوى سلوك الخيار الاول لأننا لن نترك لبنان للمخربين العاملين لصالح دول اخرى مهما كانت النتائج".
وقال رجل الدين الكبير: "اننا في لبنان مثل كل الدول العربية نسعى وراء سلام بلداننا وتجنب الحروب والخراب والدمار والهجرة الجماعية واذا كان قادة "حزب الله" يريدون عكس ذلك فها هي سورية وايران امامهم، فليذهبوا اليهما لشن حروبهم منهما ضد العدو الصهيوني، فبلدنا اصغر واضعف من ان يتحمل الاعباء التي ترفض اي دولة عربية مهما عظم شأنها تحملها".
واكد الاسقف الماروني "ان قادة "حزب الله" والفصائل الفلسطينية التابعة لدمشق وطهران يدفعون باللبنانيين من مختلف الطوائف نحو الحرب الداخلية اكثر مما يدفعون بإسرائيل للقضاء على مقوماتنا، ونحن نعتقد – بعد خطابي نصرالله الاخيرين – انه يحاول فعلا استثارتنا وتحدينا كي نخرج عن طورنا، وليس امامنا اي تفسير آخر لما اعلنه من حرب على اسرائيل دفاعا عن "اهله في غزة، ونحن ننصحه بأن يحمل صواريخه وينتقل بها الى جبهة الجولان، فهناك يجب ان تكون "معركة الكرامة العربية" وهناك يجب ان تتحول "الممانعة" الكلامية الى "لغة صاروخية"، فلبنان هو اصغر من ان يتحمل مثل هذه الاعباء".
ولا يقتصر انتقاد تهديدات نصرالله بالتصعيد على فئة معينة من اللبنانيين، حيث اعرب اهالي القرى الجنوبية الحدودية من ابناء الطائفة الشيعية، لاسيما القرى المتاخمة لمكان اطلاق الصواريخ على اسرائيل عن رفض اي اتجاه لتوتير الاجواء الامنية في قراهم التي شهدت عمليات نزوح بعد استهداف محيطها بالقصف الاسرائيلي ردا على الصواريخ.
واذا كان الموقف الرسمي والشعبي اللبناني يرفض اي تصعيد في الجنوب ضد اسرائيل، فإن هذه "التمنيات" لا تبدو ثابتة لدى "حزب الله" وبعض الفصائل الفلسطينية الموالية لسورية، اذ اعتبرت مصادر قريبة منها ان الوضع الامني في الجنوب اللبناني مرتبط باتجاهات التطورات الامنية في غزة، فبعض القوى اللبنانية والفلسطينية التي يمكن ان تسكت ولو على مضض على ما يجري ضد غزة، فإنها لن تسكت حتما اذا دخلت العملية الاسرائيلية "مرحلة التصفية النهائية لحركة حماس وقادتها" وهي معادلة يدركها الاسرائيليون كما يدركون تداعيات اي ضربة جوية لفصائل فلسطينية على الاراضي اللبنانية… وبالتالي فإن "الاحتمالات القائمة والمفتوحة" ليست خياراً ينحصر في نصرالله وانما يشمل ايضا اسرائيل.