في انتظار أن يعلن الرئيس أوباما سياسته حيال الشرق الأوسط
هل تنتهي حرب غزة كما انتهت حرب تموز في لبنان ؟
بات واضحا للجميع في الداخل والخارج ان لا استقرار ثابتا ودائما في المنطقة ما لم يتحقق السلام الشامل والعادل فيها، اذ بتحقيق هذا السلام يزول سبب مهم من اسباب تنامي الارهاب، ولا يبقى مبرر لوجود مقاومة مسلحة ولا لوجود مسلحين تحت اي شكل من الاشكال، ويتم عندئذ تطبيع العلاقات بين الدول العربية واسرائيل، وتصبح الدولة العبرية دولة من المنطقة وليست كما هي الآن دولة في المنطقة لا علاقات لغالبية الدول معها.
واذا كان السلام الشامل والعادل لم يتحقق حتى الآن، ورغم مرور ما يقارب الستين عاما على نشوء ازمة الشرق الاوسط وتحديدا الصراع العربي – الاسرائيلي، فلأن الدولة العبرية رفضت ولا تزال ترفض تنفيذ قرارات مجلس الامن الدولي لانهاء هذا الصراع، ولا مجلس الامن وضع آلية تلتزم كل الاطراف المعنيين تنفيذها. وقد جعلت اسرائيل امنها يتقدم مع السلام الذي يكلفها الانسحاب من كل الاراضي العربية التي تحتلها وهي تقبل بالانسحاب من بعضها فقط، والحروب التي خاضتها مع مصر والاردن وسوريا ولبنان لم تنته بتحقيق السلام بل بتحقيق الامن فقط، وظل ما سمي سلاما مع بعض هذه الدول اي مصر والاردن سلاما باردا رغم قيام تمثيل ديبلوماسي بينهما واسرائيل. فاتفاق "كمب ديفيد" بين مصر واسرائيل اعاد سيناء المحتلة الى مصر في مقابل إخراجها من الحرب على اسرائيل مع تحقيق امن ثابت ودائم على حدود البلدين. واتفاق وادي عربة بين اسرائيل والاردن حقق الشيء نفسه، ولم يعد الامن مضطربا على حدود اسرائيل الا مع لبنان وسوريا. وعندما تم توقيع اتفاق فك اشتباك في هضبة الجولان بين سوريا واسرائيل ونشر قوات دولية فيها، استتب الامن على الحدود، ولم تطلق منذ ذلك الحين رصاصة واحدة من الجولان على اسرائيل. اما حدود لبنان مع اسرائيل فقد ظلت وحدها حدودا مضطربة جراء انطلاق المسلحين الفلسطينيين منها بعمليات فدائية ضد اسرائيل، الامر الذي تسبب بردود فعل اسرائيلية واجتياحات متكررة لأرض الجنوب وتهجير ابنائه، وتكبيدهم خسائر بشرية ومادية جسيمة. وعوض ان تؤدي هذه العمليات الفلسطينية من لبنان الى تحرير ولو جزء من ارض فلسطين المحتلة، فانها ادت الى احتلال جزء من الاراضي اللبنانية التي بات على الحكومات اللبنانية العمل على تحريرها. ولم ينفع وجود القوات الدولية التي انتشرت في المنطقة الحدودية مع اسرائيل في وقف الفعل ورد الفعل بين اسرائيل والمنظمات الفلسطينية المسلحة التي كانت تلقى دعما بالسلاح والمال من الدول التي يهمها ان تبقى حدودها هادئة مثل سوريا، على حساب ابقاء حدود لبنان مع اسرائيل مضطربة.
وبات معلوما ان اسرائيل لم توافق على دخول القوات السورية الى لبنان لوقف الاقتتال فيه، الا بعد حصولها على ضمانات، تجعل حدود لبنان معها هادئة مثل الحدود مع سوريا، وهو تحقق فعلا بإقدام القوات السورية في لبنان على اخراج الفلسطينيين المسلحين من لبنان الى تونس. ولم تطلب اسرائيل تحقيق السلام لا مع لبنان ولا مع سوريا بل تحقيق الامن فقط، لانها لا تريد الانسحاب من الجولان ولا من باقي الاراضي التي يحتلها في الجنوب اللبناني، خلافا لموقفها من الاراضي المصرية والاردنية التي كانت تحتلها.
وما ان هدأ الجنوب اللبناني نسبيا بوجود الوصاية السورية على لبنان وباخراج المسلحين الفلسطينيين منه الى تونس حتى بدأت تتألف مقاومة لبنانية تحت اسم "حزب الله"، فعاد ابناء الجنوب الى معاناتهم والى تحمل الخسائر البشرية والمادية، الى ان كانت حرب تموز 2006 التي عجزت فيها اسرائيل عن تحقيق اهدافها، وهي القضاء على "حزب الله" وعلى بنيته العسكرية. وقد اعتبر الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله في حينه ان تلك الحرب هي آخر الحروب مع اسرائيل فعسى ان يصح ذلك ولا تتكرر الحروب العبثية مع لبنان التي لا تحسم حالة الصراع بينه وبين اسرائيل بل تنتهي دائما بعد الخراب والدمار، بوقف اطلاق النار وبحصول اسرائيل على امنها من خلال نشر قوات دولية على طول الحدود معها بعدما رفض حلفاء سوريا في لبنان نشر الجيش اللبناني بحجة ان نشره يشكل حماية لأمن إسرائيل، ويعوق تاليا نشاط مقاومة "حزب الله".
ورغم صدور القرار 1701 الذي لم ينفذ منه سوى انسحاب القوات الاسرائيلية من الاراضي التي كانت تحتلها في الجنوب الى ما وراء الخط الازرق وانسحاب مسلحي "حزب الله" الى ما وراء نهر الليطاني كي تضمن اسرائيل امنها، ولا تعود الاراضي الاسرائيلية في مرمى سلاح الحزب، فتحقق وقف العمليات العسكرية، فان البنود الباقية من القرار بما فيها وقف اطلاق النار ووقف مد الحزب بالسلاح ووقف خرق الطيران الاسرائيلي الاجواء اللبنانية لم تنفذ حتى الآن، ولا يستبعد بعض المراقبين ان تنتهي حرب غزة كما انتهت حرب تموز بتحقيق الامن لاسرائيل وذلك بانسحاب المسلحين الفلسطينيين وصواريخهم بعيدا عن مرمى المستوطنات والبلدات الاسرائيلية.
والسؤال المطروح هو: هل تقدم الادارة الاميركية الجديدة على تحقيق سلام شامل وعادل في المنطقة تهرب منه اسرائيل كي لا تدفع ثمنه انسحاباً من جميع الاراضي العربية المحتلة تنفيذا للقرارات الدولية كي يعم الامن والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط المضطربة بالارهاب والعداوات، ذلك ان الامن الذي تكتفي به اسرائيل حتى الان لن يكون ثابتا ودائما من دون السلام الشامل والعادل الذي يحقق وحدة هذا الامن، وان على اسرائيل ان تقتنع بمقايضة الارض بالسلام وليس بالامن فقط.
وفي انتظار ان يحدد الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما وادارته الجديدة السياسة الاميركية حيال منطقة الشرق الاوسط، يمكن عندئذ معرفة في اي اتجاه تسير هذه المنطقة.