الى متى "السلاح السوري" خارج المخيمات؟
عادت منطقة جنوب الليطاني لتحوّل الأنظار ولو لساعات عما يجري من استمرار للعدوان الإسرائيلي على غزة، ولكن الفارق هذه المرة أن صواريخ الكاتيوشا انطلقت ولم يكن هناك من يبلّغ عن وجودها، كما حصل قبل أيام من بدء عملية "الرصاص المصبوب"، عندما اكتشفت هذه الصواريخ قبل ساعات عدة من إطلاقها، وأريد لها أن تكتشف كي تبقى في إطار الرسالة "المتعددة الوجهات"، مفادها أن الأرض اللبنانية هي دائماً ساحة مفتوحة لكل الاحتمالات لكل من يريد العبث بأمن الوطن والمواطن، أو من يريد تسجيل البطولات على حساب الدولة اللبنانية.
وإذا سلّمنا جدلاً أن "حزب الله"، الجهة الوحيدة القادرة على القيام بمثل هكذا عمل عسكري، ليس هو وراء إطلاق "الكاتيوشا" بحسب ما أفاد لمجلس الوزراء بعد وقت قليل من إطلاق الصواريخ، فمن باستطاعته بلوغ منطقة الناقورة، المنطقة الأكثر أمناً من ناحية التواجد الكثيف لقوات "اليونيفيل" ومعها الجيش اللبناني؟ ومن هو هذا التنظيم القادر على اختراق الأمن للمرة الثانية في غضون أيام من دون أن يترك ولو دليلاً واحداً يستطيع من خلاله الجيش ومعه "اليونيفيل" تحديد هوية الفاعل واتخاذ التدابير اللازمة؟
"الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة"، لم تتبنّ الحادث وفي الوقت نفسه لم تنفِِ مسؤوليتها عنه، وهي الفصيل الفلسطيني الأكثر تسلحاً وإمرته غير خاضعة لسلطة منظمة التحرير، وبالتالي هو خارج عن الإرادة الفلسطينية، بل أكثر من ذلك، تفاخر قيادة هذا التنظيم بالخضوع مباشرة لما تمليه عليها القيادة العليا في دمشق التي هي على تواصل دائم وتماس مع النظام السوري.
وبغض النظر عن علاقتها "الوطيدة" بأطراف داخلية لبنانية، "القيادة العامة" هي الرقم واحد إذا تحدثنا عن السلاح الفلسطيني خارج المخيمات والذي لا علاقة له بالسلطة الفلسطينية ولا بالقضية الفلسطينية لا من قريب ولا من بعيد، ومخيماتهم إن في قوسايا أو دير العشاير وصولاً الى الناعمة، لم تكن يوماً إلا مصدر خراب للبنان وللفلسطينيين على حد قول أحد المراقبين، الذي يصف هذا السلاح بـ"السلاح السوري خارج المخيمات"، ويذكر بما قامت به هذه التنظيمات ولا تزال، فهي تشكل صلة الوصل مع نظام دمشق، عبر استيراد الإرهابيين وتدريبهم على القيام بمهمات محددة، ليس ضد إسرائيل بل ضد الدولة اللبنانية، ولعل دورها مع تنظيم "فتح الإسلام" الإرهابي خير دليل على ذلك.
بعد انطلاق "الكاتيوشا"، خرج أحد المسؤولين عن "السلاح خارج المخيمات"، ليقولها صراحة إنه في حال استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة فإن امكانية الرد وفتح جبهات أخرى مع إسرائيل تصبح أمراً واقعاً ومشروعاً، وهنا يقصد المواجهة من لبنان.
من هنا لا بد من طرح مجموعة من التساؤلات التي تنطلق من اعتبار لبنان كياناً مستقلاً ودولة لها مؤسساتها الدستورية وقرارها الحر والمستقل، وخصوصاً في مرحلة مصيرية وفي قرارات يمكن لعشوائيتها أن تجر كل لبنان الى مكان لا يريده، فأين أصبحنا اليوم من تنفيذ ما اتفق عليه في طاولة الحوار على تنظيم السلاح الفلسطيني خارج المخيمات؟ وهل من المعقول إبقاء الحال على ما هو عليه بعد كل ما مر به الوطن جراء انفلات السلاح؟ وإذا تبين في التحقيق أن أحد هذه التنظيمات مسؤول عن إطلاق صواريخ الكاتيوشا على شمال إسرائيل، كيف ستتحرك المؤسسات الشرعية اللبنانية لردع هذه التنظيمات عن القيام بمثل هذه التصرفات؟ وإذا كان المقصود التضامن مع غزة، ما الذي ستفعله "القيادة العامة" وغيرها في حال قامت إسرائيل بالرد على هذا الحادث بالطريقة الهمجية التي اعتادت عليها والتي تتقنها؟ وهل صدر على لبنان حكم بأن يبقى ساحة للصراعات، يدفع الفواتير عن كل العرب ويبقى الأقربون قبل غيرهم مطمئنين الى جبهاتهم المسالمة منذ أكثر من 35 عاماً؟.
شيمون بيريز يحمّل سوريا مسؤولية ما يجري اليوم في غزة "لأنها لم تكف عن دفع "حماس" في هذا الاتجاه، وللمواجهة مع إسرائيل، وهي (أي سوريا) لا تمانع أن يدخل لبنان في هذه المواجهة طالما أنها ستبقى خارج الاستهداف وقنوات اتصالها مع إسرائيل مفتوحة على مصراعيها والتفاوض مستمر.