صواريخ الفعل المجهول لأبعد من تنفيس مشهد غزة؟!
فيما قيل ان القصف الصاروخي من جنوب لبنان على اسرائيل من فعل مجهول، فإن الذين تخوفوا من النتائج كانوا معروفين طالما ان حركة نزوح الاهالي لم تأخذ في الاعتبار سوى رد الفعل الفوري او ذاك المرتقب من دون ان يتوقف احد من هؤلاء الذين غادروا بيوتهم واملاكهم الى مناطق اكثر امناً، عند وجود قوة حفظ السلام الدولية ولا عند القوة اللبنانية المشتركة (جيش ودرك)، الامر الذي يعني ان الاسوأ مرتقب على مدار الساعة، خصوصاً ان عناصر ووحدات القوة الدولية تعرضت لحوادث اغتيال وتفجير «وليس من يفصح الى الآن عما حصل في اكثر من مكان وزمان»!
المؤكد، بحسب التجارب السابقة، ان حزب الله لم يكن وراء اطلاق صواريخ الكاتيوشا، وهو لو نفذ العملية لما تأخر عن تبني المسؤولية. لكن ما يثير التساؤل ان القوة الدولية لم تعلم والجيش والدرك لم يعلما (…) وان «حزب الله بعيد عما حصل». فهل يكفي ذلك لتبرئة الجهات الآنفة والقاء التبعات على مجهول؟!
يقول «خبير متفجرات» ان نقل اربعة صواريخ من نوع كاتيوشا مع منصاتها يحتاج اقله الى 8 – 12 رجلاً متدرباً، اي سبق لهم ان تولوا مهام مماثلة، فيما يحتاج نصب المنصات والتصويب على الاهداف وتوقيت لحظة الاطلاق الى خبيرين اثنين، فضلاً عن سيارتي نقل مع سائقين، اي ان الذين نفذوا العملية نقلاً وتحضيراً لم يكونوا اقل من 12 – 14 شخصاً واستغرق عمل هؤلاء اكثر من 8 ساعات (بين اقرب نقطتين من خارج اماكن انتشار القوة الدولية والجيش والدرك) الى نقطة نصب الصواريخ والمغادرة!
لذا، يصعب اعطاء براءة ذمة لأحد، لا سيما في ظل وجود استحالة تنقل مع الحمولة الصاروخية سيراً على الاقدام، الى حد اعتبار ما حصل مؤشراً واضحاً لتكرار حصول عمليات قصف «لأهداف معروفة» تبدأ بهز الاستقرار في المناطق التي يقال انها خاضعة للقرار 1701، ولا تنتهي بإشعال المنطقة الحدودية وصولاً الى عمق الاراضي اللبنانية، خصوصاً تلك التي لم تسلم مما عاناه لبنان في حرب تموز من العام 2006 (…).
وما هو مؤكد، ان بعض من سمع بإطلاق الصواريخ رحب بالعملية ولم يجد حرجاً في اعتبارها فتحاً مقصوداً لباب حرب جديدة مع اسرائيل، تكفل تنفيس احتقانات الحرب على غزة اولاً، وتشجع الساحات العربية الاخرى المتاخمة لإسرائيل على التمثل بلبنان ثانيا، وهذا الاجتهاد يجد من يأخذ به ليس لأنه الحل الامثل، بل لأن ترك غزة بين براثن اسرائيل عمل مدان يستحيل السكوت عليه، من غير حاجة الى سؤال اصحاب هذه النظرية عما يمكن ان يفعلوه شخصياً عندما تلتزم الجهات التي يعولون عليها الاستمرار في صمتها، متكلة على تهييج غيرها لإقحامه في متاهات اقليمية ودولية لا فرق (…).
فالذين يتهمون مجلس الامن الدولي بالتقاعس لم يقولوا يوماً ان تصرفهم اسهم في انعدام المؤثرات العربية (…) كذلك، فإن الذين ينتقدون دول الطوق على تقاعسها، لم يقولوا ماذا فعلوا وهم الذين تفصلهم مساحات اقل عن ارض المعركة!
واذا كانت مصر تتحمل في هذه الآونة انتقادات صعاليك العالم، فإن من يتحامل عليها يتجاهل الآلاف الآلاف من شهدائها العسكريين والمدنيين في حروبها مع اسرائيل. وهذا ينطبق على ما قدمه غيرها من خسائر في الارواح والاقتصاد ما ساوى اوضاعها الاجتماعية الانسانية بالارض، فيما تنصرف دول همجية الى الضرب على وتر سياسي ومذهبي حساس كي تبرر بقاءها خارج دائرة الحرب.
والذين يحملون على من يتجاهل مذابح غزة، يتناسون مثلاً المذابح العراقية – العراقية التي باتت بمستوى «مأساة العصر» ليس لأن الاميركيين قد اجتاحوا العراق، بل لأن التركة السياسية والمذهبية القائمة في العراق منذ ايام الحجاج بن يوسف الثقفي، هي التي لا تزال تفعل فعلها دماً ودموعاً ودماراً، خصوصاً ان الفتنة مستمرة وعلى نار متأججة وليس من يسأل عن امكان المفاضلة بين جريمة اخ بحق اخيه وبين جريمة عدو بحق شعب آمن (…)
كذلك، من الضروري والواجب تكرار سؤال حركة «حماس» عن خلافها مع السلطة الفلسطينية، والعكس بالعكس، حيث ظهرت الحرب على غزة وكأن لا علاقة لفلسطين بها، خصوصاً عندما يقال ان طرفي الضفة والقطاع متمسكان بمواقفهما المتصلبة بالنسبة الى منهجية الحكم في فلسطين.
وهذا دليل آخر على ان الخلافات الفلسطينية المتفاقمة قد تحولت الى مفهوم سياسي مختلف حتم على الاسرائيليين الافادة منه في السياسة وفي الحرب لا فرق، فضلاً عن ان «حماس» قد نجحت في افتعال ازمة ثقة مع مصر من غير ان تعرف كيف تبني ثقة الحد الادنى مع حركة «فتح»!
وفي جديد «النخوة العربية» وبالتزامن مع الاعلان عن انطلاق صواريخ كاتيوشا من الجنوب على اسرائيل، صدر اعلان امس مفاده «اطلاق المقاومة الاسلامية العربية من جنوب لبنان»، من دون اشارة الى دور فيها لحزب الله او لافهام الحزب ربما ان بقاءه بمنأى عن مندرجات حرب غزة يستدعي الاتكال على بدائل، وهذا ما سيتضح في الايام القليلة المقبلة، بمستوى ما قد يطرأ من معلومات عمن يقف وراء الصواريخ التي اعادت الجنوب الى صدارة الاهتمام والى ابعد من الكلام في العموميات الرسمية والسياسية؟!