لأن لبنان يرفض أن يبقى وحده ساحة مفتوحة لحروب الآخرين
العرب مدعوون إلى الاتفاق على استراتيجية لمواجهة إسرائيل
توقفت أوساط رسمية وسياسية عند قول الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله "ان المقاومة في لبنان وفي فلسطين حسمت الجدل حول الاستراتيجية الدفاعية وان كل الاحتمالات مفتوحة لمواجهة العدوان الاسرائيلي على غزة" وهذا معناه ان تحرير الاراضي العربية المحتلة لا يتم بالتفاوض ولا حتى بحروب الجيوش النظامية بل بالمقاومة التي اثبتت فاعليتها في العراق وافغانستان ولبنان، وقبلا في فيتنام والجزائر، اذ انها هزمت اقوى الجيوش، وان فتح جبهات جديدة لمواجهة هذا العدوان هو من بين الاحتمالات المطروحة".
ان ما يطرحه السيد نصرالله في رأي هذه الاوساط نفسها جدير بالبحث والمناقشة لكن ليس من جانب دولة عربية واحدة بل من جانب كل الدول العربية المعنية بالصراع مع اسرائيل ولاسيما ما يسمى "دول الطوق" ومنها لبنان وسوريا والاردن وفلسطين بحيث يتخذ في اجتماع تعقده على مستوى رفيع موقف من الاستراتيجية الواجب اعتمادها لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني والاراضي العربية المحتلة: هل تكون استراتيجية حرب نظامية بين جيوش هذه الدول والجيش الاسرائيلي، ام استراتيجية مفاوضات تجرى على اساس مقررات قمة بيروت العربية ومؤتمر مدريد والقرارات الدولية، حتى اذا ما رفضت اسرائيل مثل هذه المفاوضات، تقرر اعتماد استراتيجية المقاومة الشعبية المسلحة التي تتحرك على كل الجبهات المحيطة باسرائيل كي يكون لها فاعلية وجدوى وترغم اسرائيل على القبول بالسلام الشامل والعادل.
الواقع، ان الجيش الاسرائيلي كان معروفا بقدرته على حسم الحروب خلال ايام عندما يواجه جيوشا نظامية، وكانت حرب الايام الستة مع مصر هي الاشهر والاسرع من اي حروب اخرى، ولكن هذا الجيش فقد قدرته على الحسم عندما اخذ يواجه حربا مع المقاومة، سواء في فلسطين او في لبنان، لكنه لم يفقد قدرته على التدمير والقتل العشوائي الذي يصيب المدنيين اكثر من العسكريين والمسلحين، وهو ما حصل في حرب تموز في لبنان وما يحصل الآن في الحرب على غزة. فحرب الجيوش شيء، وحرب الشعوب المسلحة شيء آخر،ـ فتلك تستطيع حماية المدنيين لان المواجهة غالبا ما تحصل خارج الاماكن السكنية، في حين ان هذه تجرى داخل هذه الاماكن خصوصا عندما تتحول حرب شوارع…
لذلك لم يعد امام الدول العربية المعنية بالقضية الفلسطينية وبالصراع مع اسرائيل سوى ان تجتمع على مستوى عال وتقرر الوسيلة الواجب اعتمادها لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني والاراضي التي تحتلها اسرائيل وان تستعد استعدادا كاملا وكافيا عندما تختار هذه الوسيلة، اهي الحرب النظامية، اهي المقاومة الشعبية، ام المفاوضات، لان ليس لاي دولة من هذه الدول بمفردها القدرة على استعادة هذه الحقوق وهذه الاراضي، بل بعمل جماعي ووحدة صف وموقف. فلا فلسطين استطاعت وحدها وبالمقاومة او بغير المقاومة ان تستعيد حقوق شعبها، ولا مصر ولا الاردن استطاعتا ذلك الا بالمفاوضات توصلا الى اتفاقات سلام، ولا سوريا استطاعت حتى الآن استعادة الجولان لا بالحرب ولا بالمفاوضات في حين استطاع لبنان بالمقاومة ان يستعيد جزءا كبيرا من اراضيه المحتلة ربما لان ليس لاسرائيل مطامع بها كما انه لم يكن لها مطامع في الاراضي المصرية والاردنية التي كانت تحتلها فأعادتها اليها. فاذا كانت المقاومة اللبنانية هي التي أرغمت اسرائيل على الانسحاب من الجنوب، فليس على سوريا سوى ان تعتمد المقاومة لإرغامها على الانسحاب من الجولان. اما ان تعتمد دولة المفاوضات، واخرى تعتمد الحرب والمقاومة كما هو حاصل حتى الآن… فان اسرائيل اذا لم تتمكن من الحسم عسكريا فانها تستطيع ان تدمر وتقتل وتجعل خسائرها البشرية والمادية اقل بكثير من خسائر من يواجهها، وهو ما حصل في حرب تموز 2006 وما يحصل الآن في غزة.
وعندما تقرر الدول العربية المعنية محاربة اسرائيل فينبغي ان تحسب حسابا لحجم الدمار والخراب ولعدد القتلى والمعوقين ولعواقب الحصار، فالحرب هي الحرب في كل القرون، اذ هي دمار وخراب وتشريد وتهجير وقتل وفقر وجوع، واولى ضحاياها حقوق الانسان والحقيقة. فلا داعي اذاً للشكوى والتذمر والنواح والبكاء، ولا الغضب من ارتفاع عدد القتلى والجرحى في صفوف هذا الطرف او ذاك، لان الذين يحاربون يتنافسون على من ينزل في خصمه اكبر عدد من الاصابات. فالحرب ليست من البساطة بحيث يقول محارب لخصمه "اضربني ولكن لا توجعني".
ويقول مرجع رسمي انه ليس مسموحا لان يبقى لبنان وحده ساحة مفتوحة لحروب عبثية تدمره وتخربه وتسقط فيه قتلى وجرحى، ويعجز عن اعادة اعمار ما تدمر خصوصا مع نشوب الازمة المالية العالمية بل هو مستعد لان يدافع عن نفسه اذا ما اعتدي عليه ويكون يدا واحدة وقلبا واحدا، لكنه غير مستعد لان يكون ساحة للدفاع عن غيره او لخوض حروب الآخرين او لإعطاء ذريعة للعدوان عليه. وما دام القيادي الفلسطيني احمد جبريل يدعو الى فتح كل الجبهات ضد اسرائيل فليسمِّ هذه الجبهات وليتفق مع المسؤولين عنها على فتحها. فلبنان رغم امكاناته المحدودة مستعد للذهاب الى الحرب اذا قررت الدول العربية المعنية ذلك وبالاخص سوريا، لكنه لن يذهب وحده الى الحرب كما حصل على مدى عقود. وما على الدول المعنية سوى ان تجتمع وتقرر كيف تريد مواجهة العدوان الاسرائيلي على غزة وعلى غير غزة ودعم المقاومة، وليس باطلاق صواريخ من ارض لبنان لتوريطه في حرب لا تكافؤ فيها ولا مصلحة لشعبه فيها حتى ولو كانت حرب صمود لانها تتحول حرب استنزاف لما تبقى من طاقاته وقدراته وان تصبح القوة الدولية والاجهزة الامنية والعسكرية عاجزة عن منع اطلاقها ولا حتى عن معرفة الجهة المسؤولة عنها.